الاديبة النيون لايت
كتبهاظبية خميس ، في 16 يونيو 2008 الساعة: 07:52 ص
(72)
الأديبة النيون لايت
.. ويد بيد ترجمها.
ويد بيد تشد وثاقها ، ويد بيد تمتطيها بعد أن تسرجها. وها هي يد تكتب ، تكتب. تخلع قناع الكلمات ، وتدميها.
ماذا بعد جيل غادة السمان ، وكوليت الخوري ، والأنثى النزارية في قطاع الكلمة داخل تيارات الأدب العربي.
كان للستينات مذاق ، وللسبعينات مخالب ، وأظفار ما زالت مغروسة في العروق، كيف تراه زمن الثمانينات في العمر الآخر من النسيج الأدبي للكاتبة العربية ، الآن.
كنت كلما استمعت إلى فيروز تشدو .. وجدت خيطاً منسوجاً من سحب ، ولوز يأخذني إلى بيروت ، القديمة. بيروت التي لا نجد.
وكان هذا الشعور يحاصرني كبحيرة من فضة ، كلما قرأت كوليت ، أو غادة ، أو ليلى بعلبكي ، أو سونيا بيروتي ، أو أميلي نصر الله ، أو غيرهن من أديبات الزمن الآخر .. الذي لم تغلبه طمأنينة البشاعة ، والقلق اللحظي المدمر الذي نرقب عقاربه ، كعقارب حقيقية تعبث بغابات الجسد الحي.
ليس للزمن أن يتوقف ، وليس لأسماء ما زالت عروقها تنبض بالحياة ، وما زالت تكتب أن تحذف من لحظة ” الجيلية ” التي أخاطبها. إلا أن زمناً تختزنه ذاكرة الماضي، لم يعد الشعور والإحساس به بالإمكان سوى عبر أقلام ، وكلمات سكنت تلك اللحظة واستقبلها وجداننا في لحظة تليها ، وتحز على طمأنينة هذا الشرق.
المرأة ” الأديبة ” ظاهرة جديرة بالرصد في تاريخ الأدب العربي الحديث.
كثيرات يكتبن ، في الزمن المنحني تحت شجرة سنديان هرمة في عمر الشرق اللحظي ، الجرائد ، المجلات ، الدوريات ، الكتيبات ، الكتب ، الإذاعة ، التلفزيون ، المسرح ، السينما وغيرها من وسائل التعبير الفني والأدبي.
طموح الكتابة في حد ذاتها ، صار ممارسة سهلة يمارسها ، وتمارسها كل من استطاع العثور على قلم تحتويه مؤسسة. ومع هذا الطموح السهل كثرت الأسماء وتلاشت ظاهرة المرأة ” الأديبة “.
أيبدو ما أكتبه متناقضاً مع واقع الحال ؟
ربما ، ولكن الأرجح أن مي زيادة ، وبنت الشاطئ ، وغادة السمان وكوليت الخوري لا يمثلن ” نيون اللايت ” الأدبي الذي يحتل وجدان الأدبية – النموذج في ثمانينات الثقافة العربية.
لقد اتسعت الخارطة وها هي أسماء تتدفق من حقيبة الساحر :
ليلى العثمان ، حنان الشيخ ، سحر خليفة ، نوال السعداوي ، سكينة فؤاد ، رفيف فتوح .. وغيرهن الكثيرات ممن جئن عبر الستينات والسبعينات ، ومارسن الكتابة الأدبية ولا زلن في الثمانينات بعيداً ، إلى حد كبير ، عن ما استطاعت بعض الأديبات تحقيقه من سحر المرأة – الأديبة عبر وجدان الثقافة العربية ، الأشمل.
وإن كانت فرصة هذه الأسماء قد نالت حظها عبر حقبة زمنية ، طويلة نسبياً ، وعبر عواصم عربية استقبلت فعل الكتابة بشكل حضاري (أشد سطوعاً وتلقياً من الحقبة الحالية) فإن فرصة جيل الثمانينات ، الجيل الشاب ، حقاً ، تجربة وطرحاً (وعذابات) تبدو شديدة الشحوب والعشوائية بالمقابل.
نجمة إدريس ، فوزية البكر ، فوزية أبو خالد ، جنة القريني ، فوزية السندي ، منيرة الفاضل ، نجوم الغانم ، أم أكثم ، عروسية النالوتي ، خديمة العمري ، فوزية رشيد ، عزة بدر ، وغيرهن من أسماء كتبت ، وما زالت تكتب من جيل شاب يرسم ملامحه بوضوح عبر الخارطة العربية وفي حقبة الثمانينات. أسماء لم تعد لها عاصمة للأدب – كما كان حال بيروت ، وبغداد ، والقاهرة سابقاً – هي أسماء تكتب عبر تمزق حضارة ، وعبر شتات عواصم ، وعبر لا مركزية ما يحدث ، وعبر هامشية بعضها قسري ، وبعضها نتيجة ، طبيعية ، لخلخلة المستقبل وتتفيه حاضر ينفي ذاته ، عبر ذاته.
لقد اشتد الخناق على مناطق عبور الذهن العربي ، ومعه ، أيضاً ، اشتدت الحاجة لإنفلات ما نحو فضاء أخر للكلمة والفعل. وبقدر ما استطاعت المرأة أن تنفجر جسداً في شظايا قتالية في الجنوب اللبناني ، بقدر ما زاد الحصار في داخل أعماقها كأديبة وإنسانة.
لقد كان منطق التحدي الحضاري في الستينات ، والخمسينات دافعاً نحو تجاوز القائم، تفكيكه وكسره من أجل سلوك ومخيلة أكثر انطلاقاً ، وتنامت في السبعينات والثمانينات قيود ما ، أشبه ما تكون بسلاسل غير مرئية حول ذهنية المرأة العربية ، أديباً ، تدفع بها نحو الهامشية ، الفظة.
إنهن يكتبن والتوجس يحيط بوجود الكتابة.
الرقابة ، المصادرة ، الأحكام الأخلاقية ، الانتحار الجماعي ، الخوف ، وتخلخل المسلمات به ، والتراجع نحو القوقعة. أشياء كثيرة صارت حلقات السلسلة التي تكبل روح هذه المرحلة في شريحة الأديبات من النساء.
ها نحن جياد طليقة ننتشر عبر خراب يأكل المدن ، وأشجار صبار تنحت وجه المستقبل الصامد كصخرة تنمو داخل قلب.
صهيلنا يأخذ شكل النداء ، وكلماتنا تندفع داخل زمن القسوة آهات في عمر ينتهك فعل الحضارة.
يا هذا العالم ثمة أقلام من خشب الزيزفون والسرو سوف تمتد مشرعة كلماتها من قاع الصحراء نحو أعماق هذا البحر .. اليم.
7 أبريل 1987
مجلة المجلة - لندن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























