مهرجان الدوحة الثقافي الثالث مارس 2004.
المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث.
16/3/2004.
" إبداع المرأة العربية " ، عنوان ندوتنا هذه يحمل في طواياه أكثر مما يمكن لأي منا أن يدعي الإلمام به. ذلك أن الإبداع يحتوي على كل أشكال الآداب والفنون ، والمرأة العربية هي جغرافية لا يمكن اختصارها في حدود الوطن العربي والمهجر والمنفى لتوصيفها في سمات واحدة ، وثابتة في حركة الزمن وألوان طيف المكان.
غير أن سؤال الإبداع الأدبي للمرأة العربية وخصوصاً في مجال الشعر قد قادني مبكراً إلى البحث فيه عبر الكثير من المقالات ، والدراسات كان من بينها كتابين نقديين حول الموضوع هما : صنم المرأة الشعري وهو يبحث في الحرية ويقظة الأنثى في القرن العشرين ، وكذلك كتاب الذات الأنثوية من خلال شاعرات حداثيات في الخليج العربي.
كانت تلك الأبحاث وما تلاها فيما بعد محاولات لتأصيل ما للصوت الذي كان عورة ، وكذلك رصد لما أفرزته الحداثة شكلاً وروحاً لجيلي والأجيال التي تلته في زمن يحمل من تناقضاته الكثير في عالمنا العربي الذي لم يوائم بعد ما بين بقايا قبلتيه الماضوية وواقع حداثته التي ترغمه على الخوض في طرائق حياة وتعبير تلكأ طويلاً في سبر أغوارها.
وإن كانت الكاتبات تتصدرن بأعمالهن قوائم الكتب الأكثر مبيعاً في العالم سواءاً في الغرب أو آسيا وأمريكا اللاتينية فإننا كمبدعات عربيات ما زال أمامنا الكثير لكي نصل إلى ذلك المستوى من التحقق الأدبي والعالمي ، ليس لقصور فينا ككاتبات ولكن لظروف عاتية في هذا الجزء من العالم حيث أن مجرد إيصال الصوت لعواصمنا وقرانا ما زال يمثل تحدياً كبيراً أمامنا.
وإذا كانت هنالك عواصم عربية تحتفي بمبدعاتها ممن لم يتوفاهن الله بعد سواء بنشر أعمالهن أو تكريمهن أو تمثيل دولهم في الملتقيات صنعن شيئاً من الشهرة والتحقق ، صنعنه في المهجر أو في عواصم أخرى غير بلادهن الأصلية سواءاً عبر دور النشر هناك ، أو عبر المهجر أو المنفى الاختياري للكاتبة. كما أن المنح الأدبية وفرص التفرغ والترجمة والمردود المالي غالباً ما يأتي عبر مراكز ثقافية غربية تعمل في سياق دولي يمنح فرصة ما لندرة من أديباتنا بتذوق طعم العالمية والتفرغ الأدبي.
وأود في هذا الإطار أن أرصد بعض الظواهر المتعلقة بإبداع المرأة العربية عموماً وفي الخليج على وجه الخصوص ، في المجال الأدبي.
• إن السؤال الأساسي والذي كان وما يزال يمثل هاجساً لدي هو سؤال الحرية. حرية التعبير ، بالطبع ، في سياق اللحظة الزمنية التي نحياها وليس في سياق النسبية التي طالما تم الإتفاق عليها. في ظل قوانين الرقابة ، وحجة العادات والتقاليد ، وحجج التكفير والتهديد بسوط الفكر السلفي الديني كم هي المساحة المتاحة لحرية التعبير عموماً وللمرأة المبدعة بشكل خاص. وعلى سبيل المقارنة ما بين مصر والخليج على سبيل المثال فإنه بالرغم من وجود مصادرات أدبية في مصر غير أن الدولة تحتفي بكاتباتها وكذلك دور النشر فيها سواءاً عبر الجوائز أو المنح أو الترجمة أو تمثيل الثقافة في ملتقيات عالمية كثيرة وكم من أديبات شابات لم يراكمن أكثر من كتاب أو إثنين صارت لهن مكانة خاصة في ظرف زمني قصير وأعطي منهن نماذج مثل ميرال الطحاوي ، فاطمة ناعوت ، فاطمة قنديل ، نورا أمين ، سمية رمضان ، إيمان مرسال، بالإضافة إلى أسماء صنعت تراكمية أطول في المجال الأدبي مثل سلوى بكر ، رضوى عاشور وغيرهن.
وفي المقابل كم من الخليجيات المقيمات في أوطانهن قد تمتعن بذلك. أن أسماءاً لامعة في العالم العربي من هؤلاء النساء قد دفعن الثمن غالياً في أوطانهن مثل ليلى العثمان ، عالية شعيب ، حمدة خميس أو لجأن إلى الإرتحال بعيداً بكتبهن مثل ميسون صقر ، أم أكثم ، فوزية أبو خالد ، فوزية رشيد ، وأنا كذلك.
هذا في الوقت الذي تعاني منه المبدعة الخليجية المقيمة – وخاصة الحداثية – نوعاً من التهميش الحقيقي ومحدودية فرص النشر والإحتكاك الثقافي الجماهيري.
• ظاهرة التعامل بمكيالين فيما يتعلق بالأدب الراكد والشعر الشعبي والنبطي في مقابل الأدب العربي الحديث الذي يكتب في منطقة الخليج. أما الأدب الراكد فهو ذلك الذي لا يمثل أي إزعاج أو تحدي لأي أحد أو مفهوم من المفاهيم ، فهو أدب تقليدي محافظ يسعى إلى تبوء سلطة ما داخل المحيط الأدبي الخليجي وغالباً ما تكون كاتباته هن الأكثر تمثيلاً لوجه الأدب الرسمي في الخليج عبر الملتقيات شبه الرسمية ، والصحافة الأدبية ، وبعض الهيئات الأدبية الأهلية. بالإضافة إلى الشعر النبطي والشعبي الذي يتصدر الصحف والمجلات وصار له مهرجاناته وملتقياته والتشجيع الرسمي الحار له إلى درجة الإبتذال. ومن الغريب أنه في كلتا الظاهرتين تطغى الأسماء المستعارة على الأسماء الحقيقية للكاتبات.
وإذا كان الأدب الكلاسيكي المحافظ قد لعب دوره في فترة ما من فترات نمو الأدب العربي الحديث فإن هذه مرحلة قد انتهت وتلتها مراحل كثيرة وصولاً إلى لحظتنا الراهنة ولا يمكن اعتبار التوقف عند هذه الطريقة من طرق التعبير إلا إغماءة طويلة زمنياً تحد من اللحاق بركب العالم وتطورات الأدب الحديث فيه.
أما فيما يتعلق بالشعر الشعبي والنبطي فإن هذا الشعر في حد ذاته جدير بالتقدير كشكل من أشكال الأدب الفولكلوري والذاكرة الشعبية ، غير أنه في الحالة الخليجية يمثل شكلاً من أشكال تنمية التخلف الثقافي ذلك أن الكثير من هذا الشعر الذي تبالغ المنابر الثقافية في الإحتفاء به لا يخرج عن حدود الغزل والألغاز والمديح. وإن ظاهرة الغزل المتبادل ما بين عدد من أمراء المنطقة وعدد أكبر من شاعرات الأسماء المستعارة بالإضافة إلى الألغاز والمديح مشفوعة بالجوائز المالية بل وبمنح التفرغ الأدبي أحياناً لظاهرة تدعو لا إلى التشكيك في هذا المظهر من مظاهر الحياة الأدبية في الخليج بل إلى طرح أسئلة ذات أبعاد سوسيولوجية فيما يتعلق بالمراد تحقيقه بالنسبة لثقافة الأجيال الصغيرة في المنطقة.
كتبها ظبية خميس في 08:32 صباحاً ::
الاسم: ظبية خميس
