الفن-الجمال-والأبداع-كريشنا مورتى.

كتبهاظبية خميس ، في 12 يونيو 2009 الساعة: 09:13 ص

الفن، الجمال، والإبداع

إن معظمنا يحاول باستمرار الهروب من نفسه، وبما أن الفنون تقدم وسائل محترمة وسهلة لفعل ذلك، فإنها تلعب دوراً مهماً في حياة الكثير من الناس. في حمى الرغبة لنسيان الذات، يتجه البعض الى الفن، والبعض الى السُكر، فيما آخرون يتبعون تعاليم دينية غامضة ومزخرفة.

عندما نستعمل شيئاً ما، سواء بوعي أو غير وعي، كوسيلة للهروب من أنفسنا، فإننا نصبح مدمنين له. أن نعتمد على شخص، قصيدة، أو أي شيء آخر نرغبه، كوسيلة للتحرر والتخلص من قلقنا وهمومنا، ولو كان مثرياً مؤقتاً، غير أنه يخلق المزيد من الصراع والتناقضات في حيواتنا.

إن حالة الخلق والإبداع لا يمكن لها أن توجد حيث يكون الصراع، والنوع الصحيح من التعليم يتوجب لذلك أن يساعد الفرد في مواجهة مشاكله وليس تعظيم وتكبير وسائل الهروب منها، يتوجب عليه أن يساعده لكي يفهم وينهي ذلك الصراع، لأنه آنذاك فقط يمكن للحالة الإبداعية أن تتحقق.

إن الفن الذي يُطلق الحياة وينفصل عنها لا يملك أهمية عظيمة. عندما يكون الفن منفصلاً عن حياتنا الحقيقية وجهودنا على لوحات الكانفا، الرخام أو الكلمات، فإن الفن يصبح مجرد تعبير عن رغبتنا السطحية في الهروب من الحقيقة وماهيتها. لجسر هذه الفجوة فإن الأمر يبدو صعباً لأولئك وخصوصاً، أصحاب المواهب والقدرات التكنولوجية والتقنية، ولكن فقط عندما يتم تجسير تلك الفجوة فإن حياتنا تصبح متجانسة والفن يصبح تعبيراً متجانساً عن ذواتنا.

إن العقل يمتلك القوة ليخلق الوهم، وبدونما فهم طرقه، فإن البحث عن الإلهام هو دعوة لخداع - الذات. إن الإلهام يتأتى عندما نكون منفتحين ومستقبلين له، وليس عندما نغازله وننافقه. إن محاولة كسب الإلهام عبر أي شكل من أشكال الاستثارة يقود فقط الى كل أنواع الوهم والغيبوبة.

ما لم يكن الشخص واعٍ لأهمية الوجود، فإن القدرة أو الموهبة تمنح أهمية وتركيزاً للذات فقط وعظمتها وشهواتها. إنها تنحو الى جعل الذات الفردية مركزة على نفسها ومنفصلة، إنه يشعر بنفسه بأنه كينونة منفصمة عن الكل كائن متفوق، وكل ذلك يقود الى ولادة الكثير من الشرور ويسبب ألماً وصراعاً لا حدود له. إن الذات هي كومة من كينونات كثيرة، كل واحدة فيها تعارض الأخرى. إنها ساحة معركة للرغبات المتضاربة، مركز لصراع دائم ما بين ما هو «لي» وما هو «ليس لي»، وطالما أننا نمنح أهمية للذات، «للأنا» وما هو «لي»، فسيكون هناك تضارباً وصراعاً متنامياً في دواخلنا وفي العالم.

إن الفنان الحقيقي يتجاوز غرور الذات وطموحاتها، أن تمتلك القوة للتعبيرات الخلابة، ومع ذلك تكون في مصيدة الطرق المادية للعالم، فإن ذلك يخلق حياة من التناقضات والصراعات. إن المديح والتصنيم، عندما يؤخذ الى القلب، فإنه يسطح الأنوثة، ويدمر التلقي، وعبادة النجاح في أي حقلٍ كان من الواضح أنها تمثل أهمية قصوى للذكاء.

إن أي ميول أو إمكانية موهبة تدعو للانفصال والانفصامية، أي شكل من أشكال تمييز - الذات، أياً كانت إثارته، فإنها تشوه التعبير عن الحساسية والشفافية وتجلب معها التبلد في الإحساس. إن الحساسية تتبلد حتى تصبح الموهبة شخصية، عندما تمنح الأهمية البالغة «للأنا» وما هو «لي» - أنا أرسم، أنا أكتب، أنا أخترع. إنه فقط عندما تكون واعين بكل حركة لأفكارنا ومشاعرنا في علاقتنا بالناس، بالأشياء وبالطبيعة، فإن العقل يصبح منفتحا مستقبلاً، وليس مُجرفاً بحماية الذات ومطالبها وطموحاتها، وعند ذلك فقط يمكن أن يكون هناك حساسية وشفافية تجاه القبيح والجميل غير معوقة بالذات.

إن الحساسية تجاه الجمال والقبح لا تتأتى عبر الالتصاق بالشيء، بل عبر الحب، عندما لا يكون هناك صراعات من خلق الذات. عندما نكون فقراء داخلياً، فإننا نتورط ونعزف في كل شكل له زخرفة خارجية، في الثروة، القوة، والتملك. عندما تكون قلوبنا خاوية فإننا نحيط أنفسنا بالأشياء الثمينة التي نعتبرها قطعاً فنية جميلة، ولأننا نلصق أهمية كبيرة بها، فإننا مسؤولون عن الكثير من البؤس والدمار.

إن الروح الاقتنائية ليست هي حب الجمال، إنها تتصاعد من الرغبة في الأمان، وأن تكون آمناً هو أن تكون غير حساس. إن الرغبة في الأمان تخلق الخوف، إنها تضع عملية من العزلة التي تبني جدرانها من المقاومة حولنا، وهذه الجدران تمنع كل حساسية ممكنة. أياً كانت درجة جمال القطعة الفنية أو الشيء، فإنه سرعان ما يفقد إغراءه لنا، نصبح معتادين عليه، وهذا الذي كان مصدر متعة وفرح يصبح خاوياً وبليداً، إن الجمال ما يزال هناك فيه، غير اننا لم نعد منفتحين ومتلقين له، وهو قد تم امتصاصه في وجودنا الممل والاعتيادي لحياتنا اليومية.

بما أن قلوبنا قد تآكلت وقد نسينا كيف نكون رقيقين ولطفاء، كيف ننظر الى النجوم، الأشجار، الانعكاسات على وجه الماء، فإننا نصبح متطلبين لاستثارات تغرينا من اللوحات والمجوهرات، الكتب والمتاحف التي لا حدود لها، إننا نبحث باستمرار عن إثارة جديدة، مغريات جديدة تفتتنا، نشتهي تنويعات ومحسوسات متزايدة. إن هذه الشهوة والرغبة في ارضاءها هي التي تجعل العقل والقلب متعبان وبليدان. طالما أننا نبحث عن المثيرات الحسية، الأشياء التي ندعوها بالجميلة والقبيحة يصبح لها أهمية سطحية شديدة فقط. إن هنالك متعة وبهجة دائمة فقط عندما نكون قادرين على الاقتراب من كل الأشياء بطزاجة وهذا غير ممكن طالما أننا مرتبطين برغباتنا. إن شهوة الحسي والمثير وإرضاءه تمنع ان نجرب ما هو جديد، دائماً إن المثيرات الحسية يمكن شراءها، ولكن ليس حب الجمال.

عندما نكون واعين بالخواء في عقولنا وقلوبنا من دونما الهرب من ذلك الى أي شكل من أشكال الإثارة أو الاستثارة، عندما نكون منفتحين تماماً، وحساسين للغاية، فقط عند ذلك يمكن أن يوجد الخلق والإبداع، فقط عند ذلك يمكن لنا أن نعثر على الفرح والبهجة الإبداعية. أن نسثمر في الخارجي دونما فهم للداخلي لا بد أن يبني تلك القيم التي تقود البشر الى الدمار والأسى والأسف.

إن تعلم أسلوب تقني يمكن أن يوجد لنا وظيفة، غير أنه لن يجعلنا مبدعين وخلاقين، فيما اذا كانت هناك بهجة، إذا كان هناك شعلة خلاقة، فإنها ستجد الطريق للتعبير عن نفسها، لا يحتاج الشخص الى دراسة منهجية للتعبير. عندما يرغب المرء حقيقة في كتابة قصيدة، فإنها تكتب نفسها، وإذا امتلك المرء التقنية فإن ذلك أفضل بكثير، ولكن لماذا التركيز على ما هو فقط وسيلة للتواصل إذا لم يكن للمرء شيئاً ليقوله؟ عندما يكون هناك حب في قلوبنا، فإننا لا نبحث عن طريقة لوضع الكلمات معاً.

الفنانون العظماء، والكتاب العظماء قد يكونوا مبدعين، غير أننا لسنا كذلك، نحن مجرد شاهدين. إننا نقرأ عدد كبير جداً من الكتب، نستمع الى موسيقى رائعة، ننظر الى أعمال فنية، غير أننا لا نجرب أبداً خبرة الإبداع، إن خبرتنا دائماً عبر قصيدة، عبر لوحة، عبر شخصية قديس. لكي نُغني لا بد من وجود أغنية في قلوبنا، ولكن لأننا أضعنا الأغنية، فإننا نلاحق المغني. بدونما وجود وسائط نحن نشعر بالضياع، غير أننا يتوجب علينا أن نضيع قبل أن نستطيع اكتشاف اي شيء. إن الاكتشاف هو بداية للإبداع والخلق، وبدونما إبداع، أياً كان ما يمكننا أن نعمله، فلن يكون هناك سلام ولا سعادة للإنسان.

نحن نفكر بأننا يمكن لنا أن نعيش بسعادة، بخلق وإبداع، إذا تعلمنا طريقة، تكنيك أو منهج، أسلوب، غير ان السعادة الخلاقة تتأتى فقط عندما يكون هناك ثراء داخلي، إنها لا يمكن حيازتها عبر أي نظام كان. إن تحسين وتطوير الذات، وهو كيفية أخرى لضمان الأمان «للأنا» وما هو «لي»، ليس عملاً إبداعياً، ولا هو حب للجمال. إن الإبداع يتأتى الى الوجود عندما يكون هناك وعي مستمر بُطرق العقل، والحواجز والعوائق التي يبنيها بداخله.

إن حرية الخلق تتأتى من معرفة - الذات، ولكن معرفة الذات ليست موهبة أو هدية. يمكن للمرء أن يكون مبدعاً دون أن يكون لديه أية موهبة محددة. إن الإبداع هو حالة وجود حيث الصراعات والأحزان للذات غائبة، حالة حيث العقل ليس في مصيدة الرغبات والمطالب.

أن تكون مبدعاً هو ليس مجرد أن تُنتج قصيدة، أو تمثال، أو أطفال، إنه أن تكون في هذه الحالة حيث الحقيقة تولد في الوجود والكينونة. الحقيقة تتأتى الى الوجود عندما يكون هناك توقف تام للفكرة، والفكرة تتوقف فقط عندما تكون الذات غائبة، عندما يكون العقل قد توقف عن الخلق، هذا عندما، لا يصبح في مصيدة رغباته ومطالبه. عندما يكون العقل ساكناً، تماماً، دونما إجباره أو تدريبه على البحث، عندما يكون هادئاً وصامتاً بسبب أن الذات هادئة وغير نشيطة، يمكن أن يكون هنالك إبداع وخلق.

إن حب الجمال يمكن أن يُعبر عن نفسه عبر أغنية، ابتسامة، أو في الصمت، غير أن معظمنا لا يميل الى الصمت. إننا ليس لدينا وقت لنراقب العصافير والطيور، السحب العابرة، ذلك أننا منشغلين جداً بمشاغلنا وملذاتنا. عندما ينعدم الجمال في قلوبنا، فكيف يمكننا أن نساعد الأطفال ليكونوا يقظين وحساسين؟ إننا نحاول أن نكون حساسين للجمال فيما نتجنب القُبح، غير أن تجنب القُبح يجلب عدم الحساسية. إذا استطعنا أن نطور حساسية لدى الصغار، فإننا نحن أنفسنا يتوجب أن نكون حساسين للجمال فيما نتجنب القُبح، غير أن تجنب القُبح يجلب عدم الحساسية. إذا استطعنا أن نطور حساسية لدى الصغار، فإننا نحن أنفسنا يتوجب أن نكون حساسين للجمال والقبحُ، ويتوجب أن ننتهز كل فرصة لإيقاظ البهجة في دواخلهم تجاه ما يرونه، ليس فقط في الجمال الذي خلقه الإنسان، ولكن أيضاً في الجمال في الطبيعة.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الفن-الجمال-والأبداع-كريشنا مورتى.”

  1. مساءك فلسفى يا ظبية

    ادعوكم الى التمتع بشىء جميل للغاية تمتعن انا به ألا وهو كيف تعرف انك أنسان تستحق الحياة ..
    تعالوا الى جديدى اجمل لحظات فى حياتنا ..

    أجمل لحظات حياتنا .. أن نشعر بأن لها قيمة حقيقية .. أن نعرف أن بمقدورنا ان نساهم فى سعادة من حولنا .. هنا فقط نشعر بقيمة وجودنا .. تعالوا معى يا أبناء الخير ..

    http://www.shababforsan.org/

    جمعية شباب فرسان الخير ..

    رحلة للقرية الفرعونية بالجيزة .. للطلبة المكفوفين فى مدرسة النور بحمامات القبة بالقاهرة .. هناك زيارة لدار المسنين خلال أسبوعين لمن يرغب أن يرى للحياة قيمة .. تعالوا نعيش ..

    يد بيد نبنى الغد .. وقلب مع قلب نعيش بجد ..



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق