روح الشاعرة

الأربعاء,تموز 18, 2007


 

من آن لآخر حزن هبط علي ، وبدأت أستيقظ من حلمي وأحسست بأثر عذب لأريج غريب في ريح الجنوب.

هذه العذوبة الغامضة جعلت قلبي يتوجع بالحنين وتبدى لي أنها كانت أنفاس مشتاقة للصيف الذي يحاول أن يكتمل.

لم أكن أعرف آنئذ بأنها كانت قريبة للغاية ، وإنها كانت لي ، وأن هذه العذوبة المكتملة كانت قد أينعت في أعماق قلبي أنا.

(21)

يتوجب على أن أدفع بقاربي. لقد مرت الساعات الكسلى على الشاطئ – يا لحسرتي!

لقد منح الربيع أزهاره وارتحل. والآن مع ذبول الزهور والورود أنا أنتظر وأرتجي.

الأمواج قد هدأت ، وعلى الضفاف تتساقط أوراق الشجر الصفراء وتتناثر.

أي فراغ ذلك الذي تحدق فيه !

ألا تحس بتلك الرجفة العابرة من خلال الهواء وتلك المقطوعات القادمة من البعيد لأغنية تطفو من الضفاف الأخرى ؟

(22)

في الظلال العميقة ليوليو الممطر ، وبخطوات سرية ، أنت مشيت ، صامتاً مثل الظلام، مخاتلاً كل الرقباء.

اليوم الصباح أغلق عينيه ، غير مبالياً بالنداءات الصاخبة لرياح الشرق ، وحجاب ثقيل قد وضع على السماء الزرقاء اليقظة – دائماً.

أشجار الغابات خفضت صوت غناءها ، وكل الأبواب قد أغلقت في كل بيت. إنك المرتحل الوحيد في هذه الشوارع المهجورة والخاوية. أوه يا صديقي الوحيد ، محبوبي الأكثر، إن البوابات مشرعة في بيتي – لا تعبر من أمامها مثل الحلم.

(23)

هل أنت تجوب هذه الليلة العاصفة في رحلة الحب ، يا صديقي ؟ إن السماء تزفر بالأنين مثل شخص يتوجع.

النوم يجافيني هذه الليلة – مرة تلو الأخرى أتفقدك وأفتح الأبواب في العتمة ، يا صديقي!

لا أرى شيئاً أمامي. أتساءل أين يكمن طريقك !

على أية ضفة خافتة من ضفاف نهر الحبر- الأسود ، على أية حافة بعيدة من حواف هذه الغابة العابسة ، عبر أية متاهة موحشة أنت تغزل الطريق الذي ستأتي عبره إلي ،       يا صديقي ؟

(24)

إذا كان اليوم قد انتهى ، إذا توقفت العصافير عن الزقزقة ، إذا أعلنت الريح هدوئها ، إذاً أطرح علي حجب الظلام الدامسة ، حتى ولو كنت قد لففت العالم بغطاء النوم وبرقة أغلقت أوراق زهرات اللوتس المنحنية عند الغروب.

من الرحالة ، الذي نفذ متاع حقيبته قبل نهاية الرحلة ، والذي تشققت ثيابه وتعفرت بالتراب ، والذي خارت قواه ، اخلع عنه عاره وفقره ، وجدد حياته مثل زهرة في غياهب ليلك الرؤوم.

(25)

في ليل التعب هذا دعني أمضي إلى النوم دونما مشقة واضعاً ثقتي فيك.

اجعلني لا أجبر روحي المنهكة على تحضيرات بائسة من أجل عبادتك.

إنه أنت الذي جلب حجاب الليل إلى العيون المتعبة للنهار لتنعش أنفاسه لساعات اليقظة.

(26)

لقد أتى وجلس إلى جانبي غير أنني لم أستيقظ أي نوم ملعون كان ذلك ، يا لبؤسي!

لقد جاء حين كان الليل ساكناً ، كانت قيثارته بين يديه ، وأحلامي أضحت ناعمة بسبب عزفه.

يا للحسرة ، لماذا كل ليالي قد أصبحت ضائعة ؟ آه لماذا دائماً أضيع رؤيته ذلك الذي تلمس أنفاسه نومي ؟

(27)

النور ، أوه أين هو النور ؟ أشعله بنار الرغبة الحارقة !

هنالك القنديل ولكن لا شرارة للهب ؟ - أهذا هو قدرك يا قلبي ! آه إن الموت كان أفضل بكثير من أجلك !

التعاسة تطرق على بابي ، ورسالتها هي أن سيدك مستيقظ ، وهو يدعوك إلى مجلس الحب عبر ظلام الليل.

السماء ملبدة بالغيوم والمطر لا يتوقف. أنا لا أعرف هذا الذي يتحرك بداخلي – لا أعرف معناه.

لحظة من برق الرعد تبعث بالكآبة العميقة إلى ناظري ، وقلبي يتعطش للطريق الذي تدعوني إليه موسيقى الظلام.

النور ، أين هو النور! أشعله بنار الرغبة الحارقة ! أنها ترعد والرياح تهب بالعويل عبر هذا الفراغ. إن الليلة معتمة سوداء مثل حجر أسود. لا تدع الساعات تنقضي في الظلام أشعل مصباح الحب بحياتك.

(28)

منيعة هي القيود ، غير أن قلبي ينفطر عندما أحاول أن أكسرها.

الحرية هي كل ما ابتغي ، ولكن أن أتمناها أشعر بالعار.

أنا متأكد بأن ثروة لا تقدر بداخلك ، وأنك أصدق أصدقائي ، ولكن لا قلب لدي كي أكنس بعيداً هذه الزركشات التي تملأ غرفتي.

هذا الوشاح الذي يلفني هو وشاح الغبار والموت ، إنني أكرهه ، غير أنني أحضنه بحب.

إن ديوني عظيمة ، وفشلي كبير ، وخجلي السري ثقيل ، غير أنني عندما أأتي لأطلب الطيب ، أسارع على عجل خوفاً من أن يستجاب لصلواتي.

(29)

ذلك الذي أضمه إلى إسمي ينوح في هذا الجب – الحبس. أنا دائماً منشغل ببناء هذا الحائط من كل جانب ، وفيما يرتفع هذا الجدار إلى السماء يوماً تلو اليوم أفقد بصيرتي لحقيقة كينونتي في ظلاله السوداء.

إنني أفتخر بهذا السور العظيم ، وأحشوه بالطين والرمال خشية بقاء ثغرة ما في هذا الاسم ، ورغم حذري ذلك كله فإنني أفقد بصيرتي لحقيقة من أكون.

 

 

(30)

لقد جئت وحيداً في طريقي إلى محاكمتي. ولكن من هو هذا الذي يتتبعني في الظلام الدامس؟

أناوره بالتحرك جانباً كي أتجنب حضوره غير إنني لا أستطيع الفرار منه.

إنه يجعل التراب يصعد من على الأرض بخيلائه ، إنه يضيف حسه العالي إلى كل كلمة أنطق بها.

إنه ذاتي الصغيرة نفسها ، يا سيدي ، إنه لا يعرف الحياء ، غير أنني أخجل من اصطحابه معي إلى بوابتك.

 (31)

"أيها السجين ، أخبرني ، من هو الذي قيدك ؟ "

" لقد كان سيدي " ، قال السجين.

" لقد ظننت أنني أستطيع أن أتجاوز ثراء كل البشر في هذا العالم وأن أكون الأقوى بينهم ، ولقد عبثت في دار خزانتي بأموال كانت لمليكي. وعندما غشاني النوم استلقيت على السرير الذي كان لسيدي ، وعندما استيقظت وجدت أنني قد أضحيت سجيناً في دار خزانتي."

" أيها السجين ، قل لي ، من هو الذي أوثق سلاسل قيدك التي لا تنكسر ؟"

" لقد كان أنا " ، قال السجين ، " الذي جهز هذه الأغلال بدقة وحرص. لقد ظننت أن قواي الخفية والمنيعة سوف تأسر العالم تاركة إياي لحرية بلا منغصات. وهكذا خلال الليل والنهار عملت على صنع هذه الأغلال وصهرتها عبر نار لاهبة وطرقات لاذعة. وعندما انتهى العمل فيها ، أخيراً ، وصارت السلاسل مكتملة ووثيقة ، وجدت أنها أمسكت بي وسلسلتني بقبضتها."

 

 

 

(32)

بكل الوسائل يحاولون أن يحيطونني بالأمان أولئك الذين يحبونني في هذا العالم. غير أن الأمر مختلف في حبك الذي هو أكبر منهم جميعاً ، وأنت تطلقني إلى الحرية.

ما لم أنسهم ، فإنهم لا يدعوني أبداً لشأني. غير أن اليوم يمضي إثر اليوم وأنت لا ترى.

إذا لم أدعوك في صلواتي ، إذا لم أحتفظ بك في قلبي ، يبقى حبك لي منتظراً رد حبي لك.

 (33)

عندما تبدى النهار جاءوا إلى بيتي وقالوا ، "سوف نأخذ منك فقط أصغر الغرف لديك."

قالوا ، "سوف نساعدك في عبادة إلهك ونتقبل بخشوع نصيبنا فقط من بركاته" ، ثم اتخذوا لهم مكاناً في الزاوية وجلسوا بهدوء وخنوع.

غير أنه وفي جنح الليل وجدتهم يقتحمون صومعتي المقدسة بعنف وضوضاء ويسرقون بجشع فاجر قرابيني من على مذبح الإله.

(34)

دع لي القليل مني ، فقط ، لكي أستطيع أن أسميك كاملي.

دع لي القليل من إرادتي ، فقط ، حيث أستطيع أن أحسك من كل جانب ، وأن أأتي إليك في كل شيء ، وأن أقدم لك حبي في كل لحظة.

دع لي فقط القليل مني بحيث لا أستطيع ، أبداً ، أن أخبئك.

دع القليل فقط من أصفادي لي بحيث التصق بمشيئتك ، ولكي أحقق أهدافك في حياتي– وهذه هي أصفاد حبك.

 

 

(35)

حيثما العقل بلا مخاوف والرأس مرفوعاً عالياً ، حيث المعرفة حرة ،

حيثما العالم غير مفتت إلى شظايا عبر الجدران الضيقة المحلية ،

حيث تخرج الكلمات من عمق الحقيقة ،

حيثما يجهد الجهد الحثيث نحو الكمال ،

حيثما جدول السببية لم يفقد مجراه إلى صحراء الرمال من العادات البالية ،

حيثما العقل مقود إلى الأمام عبرك إلى أفكار وأعمال عظيمة الانفتاح –

إلى جنة الحرية ، يا أبتي ، دع بلادي تستيقظ فيها.

(36)

هذه هي صلاتي إليك يا إلهي – اضرب ، اضرب حتى الجذور في أعماق قلبي.

امنحني القوة بخفة كي احتمل متعي وأحزاني.

امنحني القوة كي أجعل حبي مثمراً في خدمتك.

امنحني القوة كي لا أتخلى عن بائس أو فقير أو أن أحني ركبتي أمام سطوة المتعجرف.

امنحني القوة كي أتسامى بعقلي فوق التفاهات اليومية.

وامنحني القوة لأسلم قوتي إلى مشيئتك بمحبة.

(37)

لقد ظننت أن رحلتي قد وصلت إلى نهايتها وأن قواي قد قاربت على الاستنفاذ ، - وأن الطريق أمامي كان مغلقاً ، أن مؤوني قد استنفذت وأن الوقت قد حان كي أتخذ لي ملاذاً في الغموض الصامت.

غير أنني اكتشفت أنك لا تعرف نهاية بداخلي. وعندما تموت الكلمات القديمة على اللسان ، تندفع ألحان جديدة من القلب ، وحيثما تضيع الطرقات القديمة ، بلاداً جديدة تتكشف بعجائبها.

(38)

أن أبتغيك ، أنت ، فقط ، يكرر قلبي ذلك بلا نهاية. كل الرغبات التي تراودني نهاراً ، وليلاً ، كاذبة وخاوية حتى النخاع.

وكما يخبئ الليل في جهمته أمل النهار ، هكذا في أعماق قلبي وضميري تنطلق صرخة– إنني أريدك ، أنت فقط.

وكما تظل الريح تبتغي في نهايتها السلام حتى وهي تطرق بعنف ضد السلام بكل قوتها، حتى ولو كانت ثوراتي العارمة تنفجر إزاء محبتك فإن صرختي ما زالت – أني أريدك، أنت فقط.

(39)

عندما يكون القلب قاسياً وجافاً ، اشملني بفيض رحمتك.

عندما تفقد حياتي بركتها ، تعال إلي ببحر من الإنشاد.

عندما يعج ضجيج العمل ويرتفع طنينه من كل صوب حارماً إياي مما هو أبعد منه ، تعال إلي ، يا إلهي للصمت ، وأجلب إلي السلام والراحة.

عندما يجلس قلبي الشحاذ القرفصاء ، إخرس في زاويته ، إكسر الباب عنوة ، يا ملكي، وتعال إلي في احتفال الملك.

عندما تعمي عقلي الرغبة بأوهامها وغبارها ، أوه أنت المقدس العظيم ، أنت الذي لا تأخذك سنة النوم ، تعال إلي برعدك وبرقك.

 

 

(40)

إن المطر قد امتنع لأيام وأيام ، يا إلهي ، عن قلبي المتصحر. والأفق ناري العري – ليس هنالك أي غشاء خفيف حتى من الغيم الناعم ، ولا بارقة أمل حتى في مطر بعيد بارد.

أرسل بالعاصفة الغاضبة ، المظلمة بالموت ، إذا كانت هذه هي إرادتك ، وبسياط من البرق أجلد السماء من الطرف حتى الطرف.

لكن استعد ، يا إلهي ، استعد هذه الحرارة الحارقة ، الصامتة ، الساكنة ، القاسية ، التي تحرق القلب ببؤسها الصارخ.

فلترسل بسحاب البركة من الأعالي يهبط مثل نظرة أم دامعة في يوم غضب الأب.