قرابين الغناء لطاغور-6
كتبهاظبية خميس ، في 18 يوليو 2007 الساعة: 10:05 ص
(61)
إن النوم الذي يغمر عيون الوليد – هل يعرف أي أحد من أين يأتي ؟ نعم هنالك شائعة أنه يعيش حيث ، قرية الحوريات ما بين ظلال الغابة المضاءة ضوءاً خافتاً ينعكس من الديدان المنيرة ، هنالك يتدلى برعمان صغيران للسرور. من هنالك يأتيا ليقبلا عيون الطفل.
الابتسامة التي تتسلل إلى شفاه الوليد عندما ينام – هل يعرف أي شخص أين قد ولدت ؟ نعم ، هنالك إشاعة بأن ضوءاً شاحباً صغيراً للهلال قد لامس حافة سحابة خريف ينقضي ، وهنالك في البدء ولدت الابتسامة في حلم صباح مغسول بالندى – الابتسامة التي تلتمع على شفاه الطفل عندما يذهب في النوم.
إن تلك اليناعة العذبة والناعمة التي تزهر في أطراف الوليد – هل يعرف أي أحد أين كانت مخبوءة لزمن طويل ؟ نعم ، عندما كانت الأم صبية صغيرة استلقت غامسة قبلها في رقة الغموض الصامت للحب – إنها اليناعة العذبة والناعمة التي أزهرت في أطراف الوليد.
(62)
حينما أجلب لك الألعاب الملونة ، يا طفلي ، أفهم لماذا هنالك كل هذا اللعب للألوان في الغيوم ، والماء ، ولماذا الزهور مرسومة وملونة – عندما أمنحك ألعاباً ملونة ، يا طفلي.
عندما أغني من أجلك كي ترقص ، أعرف حقيقة لماذا هنالك موسيقى في الأغصان ، ولماذا ترسل الأمواج إلى قلب الأرض المصغية – عندما أغني من أجلك كي ترقص.
عندما أحضر بالحلويات إلى يديك الطماعتين أعرف لماذا هنالك عسل في كأس الوردة ولماذا الفواكه محشودة بالسر بالعصائر الحلوة – عندما أحضر الحلويات إلى يديك الطماعتين.
عندما أقوم بتقبيل وجهك لأجعلك تبتسم ، يا حبيبي ، فأنا بالتأكيد أفهم ما هي تلك اللذة التي تتدفق من السماء تحت نور الصباح ، وأية متعة تلك التي يجلبها نسيم الصيف إلى بدني – عندما أقبلك كما تبتسم.
(63)
أنت قد جعلتني معلوماً عند أصدقاء لم أعرفهم أبداً. أنت الذي منحتني أرائكاً في بيوت ليست لي. أنت الذي قربت البعيد وجعلت من الغريب أخاً لي.
إن قلبي يغتم عندما أضطر إلى ترك مكاني المألوف ، وأنسى أنه في القديم يختبئ الجديد ، وأنك هنالك أيضاً مخبأ.
من خلال الولادة والموت ، في هذا العالم أو العوالم الأخرى ، أينما تقودني فهنالك أنت، الصاحب الوحيد لحياتي الممتدة الذي يربط ما بين قلبي وروابط الفرح في ذلك المجهول.
عندما يتعرف عليك المرء ، فلا غريب هناك ولا باب يكون موصداً. أوه ، حقق لي صلاتي يا مولاي كي لا أفقد أبداً بركتك أيها الواحد الأحد في لهو الآخرين.
(64)
على المنحدر عند النهر المنعزل ما بين الحشائش الطويلة سألتها ، " أيتها البتول ، إلى أين تمضين ساترة مصباحك بدثارك ؟ إن بيتي كله معتم وموحش – أعيريني نورك! ". رفعت عينيها الداكنتين لبرهة ونظرت إلى وجهي من خلال الغسق. " لقد أتيت إلى النهر" ، قالت ، " لكي أجعل مصباحي يطفو على الجدول عندما يميل ضوء النهار إلى الغرب". وقفت وحيداً بين الحشائش الطويلة وراقبت اللهب الخافت لقنديلها منجرفاً بلا نفع إلى أمواج النهر.
في صمت الليل المجتمع سألتها ، " أيتها البتول إن أنوارك كلها قد أضاءت – إلى أين تذهبين إذا بمصباحك ؟ إن بيتي كله معتم وموحش – أعيريني نورك ". رفعت عينيها الداكنتين إلى وجهي ، ووقفت لبرهة في حيرة. " لقد جئت " ، قالت أخيراً ، " لكي أكرس مصباحي للسماء. وقفت وراقبت نورها يحترق بلا جدوى في الفراغ.
في جهمة الليل الذي لا قمر فيه سألتها ، " أيتها البتول، إلى ماذا ترمين وأنت تمسكين بالمصباح قرب قلبك ؟ إن منزلي كله موحش ومعتم ، - أعيريني ضوءك ". توقفت لبرهة وفكرت وحدقت في وجهي في الظلام. " لقد أحضرت نوري". قالت ، " لأنضم إلى كرنفال المصابيح". وقفت وراقبت مصباحها الصغير تائهاً بلا جدوى ما بين الأضواء.
(65)
أي شراب قدسي سوف تتناول يا إلهي ، من هذا الكأس الذي يفيض من حياتي ؟
يا شاعري ، إنه يسرك أن ترى خلقك عبر عيني وأن تقف عند بوابات أذني صامتاً لتصغي إلي موسيقاك أنت الأبدية ؟
إن عالمك يغزل الكلمات في عقلي والفرح يضيف الموسيقى إليها. أنت قد منحت نفسك لي بمحبة ثم أحسست بعذوبتك الكلية بداخلي.
(66)
هي التي بقيت دائماً في أعماق وجودي ، في نور الغسق والتماعاته ، هي التي لم تكشف حجبها أبداً في نور الصباح ، سوف تكون هديتي الأخيرة إليك ، يا إلهي ، مطوية في أغنيتي الأخيرة.
الكلمات حاولت إغوائها غير أنها فشلت في أن تكسبها ، ومحاولات الاحتواء مدت إليها أذرعتها بلا جدوى.
لقد جلت من بلد إلى بلد محتفظاً بها في قلب قلبي ، ومن حولها ارتفعت وتساقطت أعمدة نضوجي وتفسخي في هذه الحياة.
على قمم أفكاري وأعمالي ، أحلامي ونعاسي ، حكمت غير أنها عاشت وحيدة ونائية.
الكثير من الرجال طرقوا باب بيتي وطلبوا قربها غير أنهم عادوا خالين الوفاض.
ليس هناك أي شخص في هذا العالم استطاع أن يراها وجهاً لوجه ، وهي تسربلت بوحدتها في انتظارك.
(67)
أنت هو السماء وأنت هو العش ، أيضاً.
إنك جميل ، هنالك في العش يسكن حبك الذي يلف الروح بالألوان والأصوات والغرام.
ها هو الصباح يأتي كفتاة تحمل سلة ذهبية في يدها اليمني مليئة بأكاليل الجمال ، تحملها بصمت لتتوج الكون.
وها هو المساء يأتي والمراعي الوحيدة التي هجرتها القطعان ، عبر الطرق الوعرة ، يحمل كفتاة جرعات من السلام في جرتها الذهبية من المحيط الغربي للراحة.
لكن هناك ، حيث تمتد السماء بلا حدود للروح كي تحلق فيها ، يسكن الشعاع الأبيض الذي لا بقعة فيه. ليس هناك من نهار أو ليل ، ولا شكل ولا لون ، وأبداً ، أبداً لا كلمة هناك.
(68)
إن شعاع الشمس يأتي إلى هذه الأرض التي هي لي بأذرع ممدودة ويقف عند بابي طوال النهار كي يحمل إلى أقدامك ، عائداً ، سحب مصنوعة من أدمعي ، وآهاتي ، وغنائي.
بمحبة عميقة أنت تلف الصدر المرصع بالنجوم ، هذا الدثار من الغيوم الملبدة ، محولاً إياه إلى أشكال لا عد لها تبسطها وتلونها إلى درجات من الألوان المتحولة.
إنها خفيفة للغاية وتطير بسرعة ، رقيقة وممتلئة بالدموع ومعتمة ، ولهذا أنت تحبها ، أوه أنت الخالي من البقع والجميل الهادئ. ولهذا فإنها قد تغطي نور بياضك الشديد بظلالها التعسة.
(69)
إن مجرى الحياة نفسه الذي يسيل خلال شراييني ليلاً ونهاراً ، يجري في العالم ويرقص بإيقاع موزون.
إنها الحياة نفسها التي تنطلق بفرح عبر طين الأرض في أجمة العشب وتتكسر في زبد الأمواج وتطل من أوراق الأشجار وزهورها.
إنها الحياة نفسها التي يتم حفرها في مهد المحيط للولادة والموت ، في الجزر وفي المد.
أشعر بأن أطرافي قد أصبحت رائعة بلمسة من عالم الحياة هذه. وأن كرامتي هي من ضخ الحياة هذه لعصور تتراقص في دمي هذه اللحظة.
(70)
إنه يتجاوزك أن تكون فرحاً مع الفرح الهائل لهذا الإيقاع ؟ أن يرمي بك وأن تضيع وأن تنكسر في دوامة هذا الفرح المهول ؟
كل الأشياء تتدافع ، لا تتوقف ، إنها لا تنظر إلى الوراء ، لا قوة تستطيع أن تمسك بها، إنها تندفع بسرعة.
إنها تحاول اللحاق بخطوات هذه الموسيقى القلقة ، والسريعة ، الفصول تتلاحق راقصة وتمضي – الألوان ، الإيقاعات ، والعطور تصب في حدائق غناء بلا حدود في هذا المرح الوافر الذي يتوزع وينتهي ويموت في كل لحظة.
(71)
أن أفخم في ذاتي وأقلبها من كل الجوانب ، ناشراً بذلك الظلال الملونة على نورك ، هذا هو الوهم ، المايا.
أنت تضع الحواجز في وجودك ثم تطلب أن تخدم على ربوتك العالية. إن هذا هو انفصال نفسك الذي اتخذ له جسداً في.
إن الأغنية الصارمة تتردد صداها خلال كل السماء بدموع كثيرة – ملونة وابتسامات ، أصوات يأس وآمال ، إن الأمواج تصعد عالياً وتنكسر من جديد ، الأحلام تتكون وتتبدد. في نفسي أمتلك هزيمتها.
إن هذا الستار الذي رفعته مرسوم بأشكال لا حصر لها بفرشاة من الليل والنهار. خلفه عرشك منسوج بعجائب غامضة من الانحناءات ، ضاربة بكل الخطوط العارية والمستقيمة.
إن المشهد العظيم لك ولي قد انتشر في المساء. بنغمك ونغمي كل الهواء يترنم ، وكل العصور تمر عبر الخفي لتبحث عنك وعني.
(72)
إنه هو ، الواحد في عمق الأعماق ، الذي يوقظ كينونتي بلمساته العميقة الخفية.
إنه هو الذي يضع فتنته على هاتين العينين وببهجة يعزف على أوتار قلبي ألحاناً متنوعة للمتعة والألم.
إنه هو الذي ينسج بيت الوهم – المايا هذا في خيوط من الذهب والفضة ، الأزرق والأخضر ، ويسمح لنا أن نسترق النظر من خلال طيات أقدامه ، والذي بلمسة منه أنسى من أنا.
الأيام تأتي والعصور تمر ، وهو الذي دائماً يحرك قلبي ، بأسماء كثيرة ، بوجوه كثيرة، بأزمنة كثيرة من الفرح والأسى.
(73)
الخلاص ليس لي عبر العزوف عن الدنيا. إنني أشعر بحضن الحرية في ألف رباط ورباط للمتعة.
إنك دائماً ما تصب لي من ذخيرتك الطازجة من خمرتك ذات الألوان المتنوعة والأريج، مالئاً كأس الدنيا هذه حتى الثمالة.
إن عالمي سوف يضيء مصابيحه المئة المختلفة بلهبك وسأضعهم أمام المذبح في معبدك.
كلا ، إنني لن أغلف أبداً بوابات حواسي. نعمة النظر والسمع واللمس سوف تحمل كلها متعتك.
نعم إن كل أوهامي سوف تحترق لتصبح شعاعاً من الفرح ، وكل رغباتي سوف تنضج لتكون فاكهة الحب.
(74)
النهار لم يعد ، إن الظلال قد خيمت على الأرض. إنه الوقت كي أمضي لأملأ جرتي من النبع.
إن هواء المساء متلهف مع الموسيقى الشجية للماء. آه ، إنه يدعوني للخروج إلى الغسق. في الدرب الوحيد لا عابر هناك ، الريح قد صعدت ، والأمواج عاتية في النهر.
لا أعرف إذا ما كنت سوف أعود إلى بيتي. ولا أعرف من الذي سوف أصادفه في الطريق. هناك على حافة القارب الصغير الرجل المجهول يعزف الناي.
(75)
إن هداياك لنا نحن البشر تكفي كل احتياجاتنا ومع ذلك نحن نهرع من جديد إليك لنطلب المزيد.
إن للنهر عمله اليومي الذي يؤديه ويسرع يجري عبر الحقول والبساتين ، غير أن جداوله تجري بلهفة كي تغسل قدميك.
إن الوردة تجعل الهواء عذباً بأريجها ، غير أن هدفها الأخير هو أن تقدم نفسها إليك.
إن عبادتك لا تجدب هذا العالم.
من كلمات الشعراء ينتقى الناس ما قد يرضيك ، غير أن ما يعنونه الأخير كله يشير إليك.
(76)
نهاراً تلو الآخر ، يا سيد حياتي ، سوف أقف أمامك وجهاً لوجه. بيدين مكتوفتين ، أوه يا سيد كل العوالم ، سوف أقف أمامك وجهاً لوجه.
تحت سماءك الشاسعة في الوحدة والصمت ، وبقلب خاشع سوف أقف أمامك وجهاً لوجه.
في هذا العالم المنشغل والذي هو لك ، والذي يعج بالحركة والكفاح وما بين الحشود الغفيرة المسرعة سوف أقف أمامك وجهاً لوجه.
وعندما ينتهي عملي في هذه الدنيا ، أوه يا ملك الملوك ، وحيداً وغير قادراً على الكلام سوف أقف أمامك وجهاً لوجه.
(77)
إنني أعرف كربي وأقف بعيداً – أنا لا أعرف إنك لي لأقترب. أنني أعرفك كأبي وأركع أمام قدميك – لا أدرك أن يدك هي صديقتي.
أنا لا أقف حيث نزلت وقدمت نفسك على أنك لي ، هناك كي تلتصق بقلبي وكي أتخذك رفيقاً لي.
إنك الأخ بين أخوتي ، غير أنني لست بحاجة إليهم ، إنني لا أقتسم رزقي معهم ، بل أقتسم كل ما لدي معك.
في السراء والضراء لا أقف بجانب الرجال ، ولكن أقف بجانبك. إنني أنكمش كي أودع الحياة ، وهكذا أغوص في المياه العظيمة لهذه الحياة.
(78)
عندما كان الخلق جديداً ، ما يزال وكل النجوم أشعت بروعتها الأولى ، اجتمعت الآلهة في مجلسها في المساء وغنت ، " أوه ، إنها صورة الكمال! الغبطة الخالصة! "
غير أن أحدهم صرخ بغتة – " يبدو أن هنالك في مكان ما انكسار لسلسلة الضوء وأن أحد النجوم قد ضاع. "
الوتر الذهبي لقيثارتهم توقف ، وأغنيتهم توقفت ، وصرخوا بغضب – " نعم ، إن هذا النجم الضائع كان أفضلهم ، لقد كان فيه عظمة كل السماوات! ".
منذ ذلك اليوم صار البحث بلا توقف عن تلك النجمة التائهة ، والصرخة تستمر من واحد إلى آخر بأن العالم بفقدها قد فقد بهجته الوحيدة !
وفقط في عمق الصمت لليل تبتسم النجوم ، وتتهامس فيها بينها – " يا لهباء جدوى هذا البحث! إن الكمال غير المنكسر يغطي العالم! ".
(79)
إذا لم يكن من نصيبي أن ألقاك في هذه الحياة فلتجعلني ، إذن ، في شعور دائم بأنني قد فقدت رؤيتك – لا تجعلني أنسى للحظة ، دعني أحمل فرع هذا الأسى في أحلامي وفي ساعات يقظتي.
وفيما الأيام تمر في هذا السوق المزدحم لهذا العالم ويداي تثقلان بأرباح اليوم ، دعني دائماً أشعر بأنني لم أكسب شيئاً – لا تدعني أنسى ذلك للحظة ، دعني أحمل قرع هذا الأسى في أحلامي وفي ساعات يقظتي.
عندما أجلس على قارعة الطريق ، متعباً ، مرهقاً ، عندما أبسط فراشي في حفيض التراب ، أجعلني أشعر ، دائماً ، بأن الرحلة الطويلة ما زالت أمامي – لا تدعني أنسى ، ولو للحظة ، دعني أحمل قرع هذا الأسى في أحلامي وفي ساعات يقظتي.
عندما تكون غرف بيتي مزدحمة وصوت النايات والضحكات يملأ أرجائها ، دعني أشعر دائماً بأنني لم أدعوك أنت إلى منزلي – لا تجعلني أنسى ولو للحظة ، دعني أحمل قرع هذا الأسى في أحلامي وفي ساعات يقظتي.
(80)
إنني مثل بقايا سحابة في الخريف ، تجوب السماء بلا فائدة ترجى ، أوه يا شمسي العظيمة النور دائماً! إن لمستك لم تذب بعد ماءها ، لتسمح لي بأن أكون واحداً مع نورك ، وهكذا فإنني أحسب الشهور والسنين التي تفصلني عنك.
إذا كانت هذه هي إرادتك وإذا كانت هذه هي لعبتك ، إذن خذ هذا الخواء المحلق في داخلي ، لونه بالألوان ، غطه بالذهب ، أجعله يطفو في هذه الريح العاصفة وأنشره في العجائب المختلفة.
ومن جديد عندما تكون هي إرادتك أن تنهي هذه الملهاة في الليل ، لسوف أذوب وأتلاشى في الظلام ، أو ربما في ابتسامة الصباح البيضاء ، في برودة الشفافية الخالصة.
(81)
في أيام كسولة كثيرة تحسرت على الزمن الضائع غير أنه لم يكن ضائعاً أبداً ، يا سيدي. أنت قد أخذت كل لحظة من حياتي بين يديك.
مختبئاً في قلب الأشياء أنت ترعى البذور لكي تنبت ، البراعم لكي تزهر ، والزهور الناضجة لكي تمتلئ بالأريج.
لقد كنت متعباً ونائماً في فراشي الكسول وتخيلت بأن كل العمل قد انتهى. في الصباح استيقظت ووجدت أن حديقتي تمتلئ بالزهور الرائعة.
(82)
إن الوقت بلا حد ، بين يديك ، يا سيدي ليس هنالك من أحد ليحسب دقائقك.
الأيام والليالي تمر والعصور تزهر وتذوي مثل الزهور. أنت تعرف كيف تنتظر.
إن قرونك تمر وتتبع بعضها البعض من أجل أن تجود من صنع زهرة برية صغيرة.
نحن لا نملك الوقت لهدره ، ولأننا لا نملك الوقت فإننا نتصارع للنبش عن فرصنا. إننا أفقر من أن نتأخر.
وهكذا فإنه هذا هو الوقت الذي يمضي فيما أمنحه لكل رجل عجل يطالب به ، فيما مذبحك خالياً من كل العطايا حتى آخره.
في آخر اليوم أسرع الخطى خائفاً من أن تكون بوابتك أوصدت ، غير أنني أكتشف أنه ما يزال هنالك وقت.
(83)
أماه لسوف أنضد عقداً من اللؤلؤ لعنقك بدموع أساي.
إن النجوم قد جلبت خلاخيل أنوارها لكي تضعها على قدميك ، غير أن ما هو لي سوف يتدلى من على صدرك.
إن الثراء والصيت يأتيان من لدنك وأنت من يتيح أو يمنع. غير أن هذا الأسى هو ملكي، تماماً ، وعندما أحضره لك كقربان تكافئني بكراماتك.
(84)
إنه قرع الانفصال ذلك الذي ينتشر عبر العالم ويمنح الولادة لأشكال بلا عدد في السماء الشاسعة.
إنه حزن الانفصال ذلك الذي حدق في صمت طوال الليل في نجمة تلو نجمة ويصبح إيقاعاً ما بين حفيف الأوراق في العتمة الممطرة لشهر يوليو.
إنه هذا الألم الذي يعم هو الذي يتعمق في الحب والرغبات ، في المعاناة وفي السرور في منازل البشر ، وهو الذي يذوب دوماً ويسري في الأغاني عبر قلبي الشاعر.
(85)
عندما خرج المحاربون في البدء من قاعة سيدهم ، أين خبئوا قواهم ؟ أين أخفوا دروعهم وأسلحتهم ؟
لقد بدوا فقراء وبلا حول ولا قوة ، والسهام قد هطلت عليهم في اليوم الذي خرجوا فيه من قاعة سيدهم.
عندما حث المحاربون الخطى عائدين ، من جديد ، إلى قاعة سيدهم أين أخفوا قواهم تلك ؟
لقد أسقطوا بالسيوف وأسقطوا بالأقواس والسهام ، كان السلام على جباههم وتركوا وراءهم ثمار حياتهم في اليوم الذي حثوا الخطى عائدين في قاعة سيدهم.
(86)
الموت ، خادمك ، على الباب.
لقد قطع بحار الغيب وجلب ندائك إلى بيتي.
إن الليلة مظلمة وقلبي يرتجف من الخوف – غير أنني سوف أخذ المصباح ، أشرع بوابتي وأنحني له مرحباً. أنه رسولك هذا الذي يقف عند بابي.
سوف يعود إليك منجزاً المهمة ، تاركاً وراءه ظلاً دامساً في صباحي ، وفي بيتي المنعزل سأكون أنا فقط القربان الأخير الذي أهديه لك.
(87)
في رجاء يائس أمضي لأبحث عنها في كل زوايا غرفتي ، غير أنني لا أجدها.
إن داري صغيرة وما قد خرج منها لا يمكن أبداً أن أعثر عليه من جديد.
غير أن قصرك المنيف بلا حدود ، يا سيدي ، وإلى بابك قد قصدت كي أبحث عنها. إنني أقف أمام عرشك الذهبي تحت سماء المساء وأرفع عيني بلهفة إلى وجهك.
لقد أتيت إلى حد الخلود حيث لا شيء يضيع – لا أمل ، لا سعادة ، لا صورة لوجه يرى عبر الدموع.
أوه ، أغمس حياتي الخاوية في هذا المحيط ، نمضي بها إلى أعماق الامتلاء. دعني أشعر لمرة بتلك اللمسة الحلوة الضائعة في أرجاء هذا الكون.
(88)
يا آلهة المعبد الخرب : إن أوتار فينا المكسورة لا تعزف مديحك بعد. الأجراس في المساء لا تعلن عن وقت الصلوات. إن الهواء متلبد وآسن حولك.
في عيشك المهجور تهب نسائم الربيع العذبة. إنها تجلب فوح الزهور – الزهور لم تعد توضع قرابيناً على مذبح عبادتك.
إن ناسكك القديم ما زال يبحث بشوق عن ما قد رفضت أن تحققيه له. في مد المساء ، وعندما النار والظلال يمتزجان بكآبة الغبار ، يعود هو متعباً إلى المعبد الخرب بجوع يشتد في قلبه.
الكثير من أيام الاحتفالات تمر عليك في صمت ، يا آلهة المعبد الخرب. الكثير من ليالي العبادة تنقضي دون أن تضاء مصابيحك.
الكثير من الصور الجديدة يبنيها سادة الفن الماكر وتحمل إلى جدول النسيان عندما يحين وقتها.
إنها فقط آلهة المعبد الخرب تلك التي تبقى دون أن تعبد في إهمال مميت.
(89)
لا مزيد من الكلمات المزعجة والعالية الصوت منك – هكذا هي إرادة سيدي. ولذلك فإنني أتعامل بالهمس. إن كلام قلبي سيحمل في أغنية أهمهم بها.
الرجال يسرعون إلى سوق الملك. كل الباعة والمشترين ، هناك. غير أنني أتخذ رحيلي غير المنضبط في منتصف النهار ، في ذروة العمل.
فلتجعل الزهور إذن تتفتح في حديقتي ، رغم أنه ليس أوانها ، ولتدع نحل منتصف النهار يطن بطنينه الكسول.
ساعات طويلة ، ومليئة قضيتها في البحث عن الخير والشر ، غير أنها الآن متعة اللهو واللعب في أيامي الخوالي تلك التي ينشدها قلبي ، ولا أعرف لماذا هذا النداء المباغت ولأي تبعات غير مجدية!
(90)
في اليوم الذي سوف يطرق فيه الموت على بابك ما الذي سيكون لديك لتقدمه له ؟
أوه ، سوف أضع أمام الضيف قارورة حياتي الممتلئة – لن أدعه ، أبداً ، يمضي بيدين خاويتين.
كل تلك العذوبة المعتقة لكل نهارات خريفي وليالي الصيف ، كل مكاسب وأرباح حياتي المنشغلة سوف أضعها أمامه في خاتمة أيامي عندما يطرق الموت على بابي.
(91)
أوه أنت يا خاتمة اكتمال حياتي ، أيها الموت ، موتي ، تعال وأهمس إلي!
يوماً تلو اليوم بقيت أرتقبك ، ومن أجلك تحملت أفراح وصدمات الحياة.
كل ما هو أنا ، كل ما هو لدي ، والذي أتمناه وكل حبي كانوا على الدوام يسيلون نحو في أعماق سرية. نظرة واحدة ، وأخيرة من عينيك وسوف تكون حياتي ملكك للأبد.
الأزهار قد نضدت وعقد الزهور في انتظار العريس. بعد العرس سوف تغادر العروس بيتها وتقابل سيدها لوحدها في عزلة الليل.
(92)
إنني أدرك بأن اليوم سيجيء عندما يخبو وينطفئ نظري في هذا العالم ، وأن الحياة سوف تستأذن للانصراف في صمت ، ساحبة الستارة الأخيرة على عيني.
ومع ذلك فإن النجوم سوف ترقب الليل ، والصباح سوف ينهض مثل عادته ، والساعات ستتلاحق مثل موجات البحر ناشرة المتعة والألم.
عندما أتأمل هذه النهاية للحظاتي ، فإن حاجز الزمن ينكسر وأرى تحت نور الموت دنياك بثرواتها المهملة ، نادر هو كرسيها الوضيع ، نادر هو دناءة حيواتها.
الأشياء التي صبوت لها دون أن أنالها والأشياء التي ملكتها – دعها كلها تعبر. لا تجعلني أمتلك شيئاً بصدق سوى الأشياء التي دفعتها ، جانباً ، دائماً وأغفلت عيني عنها.
(93)
لقد أذن لي بالانصراف. ودعوني وأدعو لي يا أخوتي! إنني أنحني لكم جميعاً وأستأذن في الانصراف.
ها أنا أعيد مفاتيح بابي – وأتخلى عن كل حقوقي في بيتي. أنني أطمع ، فقط ، في بعض الكلمات الطيبة منكم.
لقد كنا جيراناً لزمن طويل ، غير أنني أخذت أكثر مما أعطيت. الآن اليوم قد حان والقنديل الذي أضاء زاويتي المعتمة قد أنطفأ. لقد وصل الاستدعاء وأنا جاهز لرحلتي.
(94)
في وقت رحيلي هذا ، أدعو لي يا رفاقي! إن السماء تشع بالفجر ودربي جميل يرقد أمامي.
لا تسألوا ما الذي هو لدي لأأخذه إلى هناك. إنني أبدأ رحلتي بيدين خاويتين وقلب يرتجي.
لسوف أرتدي حلة عرسي ، إن ردائي ليس هو بالأحمر – البني الذي يرتديه المسافر ، ورغم أن هنالك أخطار في الطريق فلا خوف في رأسي.
إن نجمة المساء سوف تبزغ عندما تتم رحلتي وألحان المغيب سوف تنطلق من بوابة ملكي.
(95)
لم أكن واعياً بتلك اللحظة التي اجتزت فيها أولاً عتبة هذه الحياة.
ما هي تلك القوة التي جعلتني أتفتح في هذا الغموض الشاسع مثل برعم في الغابة في منتصف الليل!
عندما وفي الصباح نظرت إلى النور أحسست للتو بأنني لست بالغريب في هذا العالم ، وأن الذي لا يوصف ولا اسم له ولا شكل قد أخذني بين ذراعيه في شكل أمي.
وهكذا ، حتى في الموت اللامسمى ذاته سوف يتبدى لي كما قد عرفته للأبد. ولأنني أحب هذه الحياة ، أعلم أنني سوف أحب الموت ، أيضاً. إن الطفل يصرخ عندما تأخذه الأم عن ثديها الأيمن ، وفي اللحظة التالية يجد عزاءه في الثدي الأيسر.
(96)
عندما أمضي لتكن هذه هي كلمتي الأخيرة ، أن ما قد رأيته لا يمكن نقله.
لقد تذوقت من رحيق العسل المخبوء لزهر اللوتس هذا الذي يمتد في محيط الضياء ، وهكذا فقد حلت علي البركة – لتكن هذه هي كلمتي الأخيرة.
في بيت اللهو هذا للأشكال غير المحدودة قد نلت حظي من اللهو وها هنا اصطدت نظرة إليه هو الذي لا شكل له.
إن جسدي بكامله وأطرافي قد اهتزت للمسته هو الذي يتجاوز اللمس ، وإذا كانت النهاية ستأتي إلى هنا ، دعها تأتي – فلتكن هذه هي كلمتي للوداع.
(97)
عندما كان لعبي معك لم أتساءل ، أبداً ، عن من تكون. لم أعرف الحياء ولا الخوف ، كانت حياتي صاخبة.
في الصباح الباكر كنت تدعوني من نومي كرفيق لي وتقودني راكضاً من ممر إلى ممر في الغابة.
في تلك الأيام لم أهتم مطلقاً بأن أعرف معاني الأغاني التي غنيتها لي. صوتي فقط قلدها ، وقلبي تراقص لألحانها.
الآن ، وقد انتهى وقت اللهو ، ما هذه الرؤية المفاجئة التي قد ملأتني ؟ إن العالم بعيونه الساجدة لقدميك يقف مسحوراً بكل نجومه تلك الصامتة.
(98)
سوف أزينك بنياشين ، وعقود الزهور لهزيمتي. أنه ، أبداً ، ليس بمستطاعي أن أهرب دون أن أهزم.
إنني أعرف ، بالتأكيد ، بأن كبريائي سوف يمضي إلى الحائط ، وأن حياتي سوف تتفجر ببحيرات من الألم العصي ، وأن قلبي الخاوي سوف ينتحب ويدمع بموسيقى مثل عود خيزران خاوي ، وأن الحجر سوف يذوب بالدمع.
إنني لأعرف بالتأكيد أن البراعم المئة من زهر اللوتس لن تبقى مغلقة للأبد وأن السر الذي يخفي عسله سوف يصبح عارياً.
من السماء الزرقاء عين سوف يظل وتحدق بي وتستدعيني في صمت. لا شيء سوف يبقى لي ، لا شيء على الإطلاق ، والموت الخالص سوف أتلقاه عند قدميك.
(99)
حينما أتخلى عن الدفة أدرك أن الوقت قد أزف لك لكي تأخذها. كل ما يتوجب فعله سوف يتم بدونما تأخير. لا فائدة من هذه المقاومة.
إذن أسحب يديك وتحمل بصمت هزيمتك ، يا قلبي ، وفكر في مدى حسن حظك في أن تجلس ساكناً تماماً حيثما تم وضعك.
هذه هي قناديلي تنطفئ كلما نفخت فيها الريح نفخة صغيرة ، ومحاولاً أن أشعلها أنسى كل شيء أخر مرة ، تلو الأخرى.
غير أنني سأكون حكيماً هذه المرة وأنتظر في الظلام ، باسطاً بساطي على الأرض ، وحينما ترغب يا سيدي ، تعال بصمت وأتخذ مقعدك.
(100)
إنني أغوص في أعماق محيط الأشكال ، آملاً في أن أربح اللؤلؤة الكاملة لما لا شكل له.
لا مزيد من الإقلاع من ميناء إلى ميناء بهذا القارب الرث والمنهك. لقد مضت تلك الأيام منذ زمن طويل ، عندما كانت رياضتي هي أن تتقاذفني الأمواج.
والآن أنا بشوق لكي أموت فيما لا موت له.
إلى بهو الجمهور عند الهاوية التي لا قرار لها حيث تتورم موسيقى الأوتار غير المهيئة سوف أأخذ قيثارة حياتي هذه.
سوف أدوزنها إلى ألحان الأبد ، وعندما تكونين قد ذرفت آخر بوحك ، استلقي في صمت يا قيثارتي عند أقدام الصمت.
(101)
طوال حياتي كنت أنشدك بأغنياتي. لقد كنت أنت الذي قادني من باب إلى باب ، ولديهم كننت أبحث عنك ، باحثاً ومنقباً دنياي.
لقد كانت أغنياتي تلك التي علمتني كل الدروس التي قد عرفتها ، لقد أرتني دروباً سرية، لقد جلبت إلي نجوماً كثيرة في أفق قلبي.
لقد دلتني طوال الأيام إلى الأسرار الغامضة لبلاد المتعة والألم ، وأخيراً ، إلى بوابات أي قصر قد جلبتني في المساء عند نهاية رحلتي ؟
(102)
لقد تفاخرت بين الرجال بأنني قد عرفتك. إنهم يرون صورك في كل أعمالي. يأتون إلي يتساءلون ، " من هو ؟ " " ولا أعرف كيف أجيبهم. أقول ، " في الواقع ، لا أستطيع أن أخبركم". يلومونني ويذهبون ناقمين. وأنت تجلس هناك وتبتسم.
أضع حكاياتي عنك في أغاني خالدة. السر يتسرب من قلبي. يأتون إلي ويسألون، "خبرني عن كل معانيك". وأنا لا أعرف كيف أجيبهم. أقول ، "آه ، من الذي يعرف ما تعنيه!". وهم يبتسمون ويذهبون بنقمة خالصة. وأنت تجلس هنالك وتبتسم.
(103)
في تحية واحدة إليك ، يا إلهي ، دع كل حواسي تتوزع وتلمس هذا العالم عند قدميك.
مثل سحابة مطر في يوليو معلقة عن قرب بهمها من الأمطار المثقلة بها دع كل عقلي ينحني عند بابك في تحية واحدة من أجلك.
أجعل كل أغنياتي تجتمع وتجمع كل أوتارها المتنوعة في موجة واحدة لتسبح نحو بحر الصمت في تحية واحدة لك.
مثل سرب من طيور الكركي التي تحن إلى أوطانها محلقة طوال الليل والنهار نحو أعشاشها في الجبال ، دع كل حياتي تتخذ رحلتها إلى بيت ديمومتها في تحية واحدة من أجلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























