الشعر النسوى الأماراتى

كتبهاظبية خميس ، في 17 يوليو 2006 الساعة: 09:17 ص

من دلالات المكان في الشعر النسوي الإماراتي

 

الرافد

العدد 89/ ذو القعدة 1425هـ /يناير 2005

عندما نقرأ نصوص الشعر نجد مفاهيم أخرى للمكان، لأن اللغة تأتي بمدلولات فيها الكثير من البوح .. وهنا يمكن لكثير من الكائنات أن تأخذ لها أمكنة هي رموز تحترم هذه الكائنات وتعبر عن التشخيص الجديد ما يطلق عليه النقاد بـ "شعرية الأمكنة" ولعل حداثة المصطلح تفرض معايير مبتكرة منها " أمكنة داخل الأمكنة "، أو " أمكنة ورموز".

ولما كان المكان يجسّد هوية الإبداع، فإننا أمام تأصيلات لغوية عرفتها القواميس العربية إضافة إلى الموروث الشعبي الذي يثبت تاريخياً معاني تسميات المواقع "الإمارات" بشكل كليّ أو جزئي دون أن يتدخل  الطبو غرافي في الإرث الثقافي وإن تمكن هذا الطبو غرافي في فرض معالم حديثة تبنّتها حضارة القرن العشرين.

حليف وساد منذ عشرين ليلة
ينادي ويرجو فيك خير مجيب
أعيذك أن ألفى قتيلاً لفاتكٍ
من الداء مجهولاً وأنت طبيبي

ومن دلالات المكان في الشعر الإماراتي:
ا- الصحراء والنخيل.. والخيام: ولما كان النخيل من نتاج
الجزيرة العربية ودول الخليج عموماً، فإن الصحراء هذا المكان
الذي يقطن فيه النخيل، وهذا ما عرّج عليه الشعر وشخص
النسيج اللغوي العادل لمفرزات الفكر الناتج عن الاشتقاق
الجمالي فقصيدة)نخلة( للشاعرة صالحة غابش المنشورة في
د يوا نها )ا لآن عرفت( تقول:

"أنا النخلة العائدة
إلى خريطة المتاه
كي أكمل دورتي السداسية
 في سواحل الفراغ ".
والشاعرة )صالحة غابش( تقول في مكان آخر من الديوان
نفسه في قصيدة )تتويج):
وأنا في الشرق متوجة
وبلاطي صوت امرأة
تمشي في إثر نبي
يتبع ظل رسائلها
في صحراء انفلتت
من قافلة البر"
واذا أمعنا النظر في مفردات هذا المقطع الشعري فإننا ندرك
تماماً معاني المفرد ات التالية (الشرق، ظل، صحراء، قافلة).
وهذء الاشتقاقات اللغوية لم تأت عبثاً في السياق، وانما
استطاعت المفردة الواحدة ان تشغل معنيين: محسوس مجرد،
ومعنوي فيه القيمة الرمزية، والشاعرة (صالحة غابش) لها
أكثر من قصيدة تجسد مدلول المكان الذي نرمي إليه، وفي
قصيدتها (هنا في الخليج) تلخص علاقة هذا المكان بالبوح
الشعري.. حيث تقول في مطلع النص:

هنا في الخليج أماكن
يمر عليها الأمان صباح مساء
ويمكث يحكي لأطفالنا قصص الأنبياء
 هنا في الخليج قناديل حقٍ مضاءه
جباه تمس تراب الوطن سجوداً لرب بحضرته كل قلب سكن،.
لقد حققت الشاعرة ثوابت المكان- الخليج: الكل- و-
الإمارات- الجزء- بوعي جمالي فيه من الإبداع الشعري
وصوفية الروح بعيداً عن الصخب الإنشائي، حتى غنائية
( تفعيلة المتقارب ) شاركت في حركة الواقعي في صحراء الخليج.

وفي مجموعتها الشعرية ( موت العائلة ) (1)، تبرز الشاعرة ( ظبية خميس ) كثيراً من كائنات الخليج، وعلى وجه الخصوص ( القنفذ ) الذي يحظى في هذه المجموعة بمكانة تجعله المتنفذ في ذ ات الشاعرة، ولذلك تخاطبه من أول القصيدة إلى آخرها، وهي تفضي له بأسرار العائلة التي تتحدث عنها، مع العلم أن الشاعرة في مجموعتها هذه لم تشر إلى أمكنة الكتابة، وانما اكتفت بذكر تواريخ القصائد التي جاءت في أوقات متقاربة من عام 1992، وكانت قد نشرت هذا العمل الشعري في مجلة ( شؤون أدبية ) (2).

وفي صوت ( العائلة ) تطهر كائنات المدينة وتغيب شخوص وأمكنة الخليج إلا أن التأثر بطبيعة الخليج والجزيرة العربية واضح- طبعاً ومزاجاً- وهي التي تقول (3):

كل طريق في النهاية
كان سيؤدي إليك
كنت معي في كل شيء
كل الأماكن ".
أما الأديبة (أسماء الزرعوني) على الرغم من أن منجزها الإبداعي- قصة وشعراً- ينتمي إلى البحر، فإنها لا تستطيع أن تبعث عن ذاكرتي ما يمت إلى فيافي الخليج ،هذه الفيافي المترامية الأطراف، فتقول في قصيدة (هذا المساء لنا) (4):

حدثتني النجوم
عندما سألتها
هذا المساء لنا؟
تختلس لحظة من عمر الزمن
أفراحنا صحراء الظمأ
يصرخ بداخلها الضياع
فسألتها من جديد
أكان هذا المساء لنا؟
وتقول في مكان آخر من القصيدة:
خرافة كانت قصتنا
كعتمة الخواء
في مهمة الصحراء
هربت منها ارتحلت..
 وفي مجموعة ( رواحل ) تقول الشاعرة  (نجوم الغانم):
"صمت بعد الغياب
خيمتي وعدالتي
صمتي إثر الكلام
صرخة القلب للقلب "..
إنها ألفاظ من واقع عاصرته الشاعرة بلحمها ودمها، ببوحها
وروحها، وقد قالوا "الزمان كأهله " لكنني أقول بعد أخذ الإذن
من أهل الفكر ما سمعته يوماً "البيت إنسان وليس جدراناً" وهذا
ما عبر عنه الشاعر العربي حين قال:

وما حب الديار شفعن قلبي
ولكن حب من سكن الديارا
هذا التوجس في المنجز الشعري عند نجوم الغانم قرأه المتلقي
في نصوص كثيرة لشعراء وشاعرات في الإمارات.
2- المكان والطفولة: تعيش طفولة المبدع في حيز يسمح له
أن يعبر مسافة النصوص، والشاعر- على وجه الخصوص- تبدو
طفولته في أكثر من وشم تثبته الذاكرة على الورق أشبه بجهاز إسقاط يرى المشاهد من خلاله صوراً للمكان الذي أدخل في الجهاز، إضافة إلى وعي الذاكرة، وأقصد التخييل الذ ي يعادل أو يقارب المسافة بين حال الكتابة الإبداعية وتوقيت الطفولة، هذا ما فعلته الشاعرة (هالة حميد معتوق) في ديوان (قطار ليلى)، الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة عام 1986، حيث تقول:

"تحت النخلة
 نلهو نلعب
نبني بيتاً
نصنع مركب
إن الشاعرة في هذا المقطع تستحضر وصفاً طفولياً وتحدد المكان الذي جادت على وصفه، إنه (تحت النخلة) حيث اللهو، إلا أن اللهو ليس عبثاً، وانما فيه تصور لقيمة مادية (بناء البيت)، و(صنع المركب) وهنا تعاملت الشاعرة (هالة حميد معتوق) مع المكان عبر ذاكرة تدرجت مع (الطفولة الحلم) إلى (الواقع الآتي) والمكان في هذا المقطع يقنع القارئ بمهمة الشعر الهادف.

واذا كانت (هالة حميد معتوق) قد اتخذت من (النخيل) موقعاً لحال طفولية، فإن الشاعرة (ميسون صقر القاسمي) في قصيدتها (بلاط السلم الحجري) تقدم طعماً آخر لطفولة قد تكون مصطنعة، وقد تكون حقيقية لأن عاطفة التخييل في النص تخضع المتلقي إلى امتحان صعب، ومعادلة الفن هنا أقرب إلى الإبداع، حتى ولو كان عامل التخييل قد تغلب على الحقيقة:

"لهذا السلم طعم آخر
قدماي من خلاله تعلمت درس الصعود والهبوط
منذ عشر سنوات حرثت قدماي أرضه
منذ عشر وردات زرعت فيه
وعندما نبتُ
كنت زهرة السلم التي لا يقطنها سواه
كان درج هذا السلم طالعاً إلى الله"
وفي مجموعة (بانتظار الشمس) تخصص الشاعرة (صالحة غابش) مجموعة من القصائد التي تتخذ فيها من المدرسة مكاناً للطفولة (بنت النهر، بانتظار الشمس، مديرة، سوسنة، أمل) وفي هذه النصوص تسترجع الشاعرة الزمان والمكان معاً، وهي تقول في قصيدتها (سوسنة) (5):

"إني بلغت السادسة
أماه أين حقيبتي أين القلم؟
أصبحت بين الدارسين الأذكياء دارسة
وعلى جواد الأمنيات فارسة
وتركض خلفي ذكريات للعب
كل ابتساماتي سأزرعها حروفاً في الكتب
فالكون كله دفتري"
فالمدرسة في هذا النص مكان فسيح، وهو أشبه بنظرية هندسية فيها جدار مضروب بجدار آخر، وفي رأي الرياضيات معادلة قد تكون من الدرجة الأولى أو من الدرجة الثانية، وهنا يتحقق وأقصد المكان، فالصف أو المدرسة مكان القوس الكبير، ش القلم والحقيبة والدراسة والفارسة شخوص الأقواس والجداء، وأيضاً لمكان جواد الأمنيات والكتب.

هذه روافد لنهر المكان، وليست كل الروافد ويمكن للهم الشعري الذي جاء في المنجز الشعري النسوي في الإمارات أن يحمل المكان كثيراً من الدلالات وفق تفكير هذه الشاعرة أو تلك ومخبوئها النفيس، أو ما يأتي به الانزياح في خطاب المكان.
ولعل فضاءات الأمكنة في الشعر النسوي الإماراتي تعطينا إشارات مرخصة بين الحس والتخييل لتجسّد حركية المكان.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق