القصة القصيرة فى الامارات

أكتوبر 20th, 2009 كتبها ظبية خميس نشر في , قصة

حجزت مقعدها في الأدب الإماراتي
القصة القصيرة تجاوزت مرحلة التأسيس إلى مرحلة الإبداع آخر تحديث:السبت ,17/10/2009
محمد ولد محمد سالم
1/1

 

أصدرت وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع كتابا بعنوان “مبدعون من الإمارات القصة القصيرة” وهو مدونة للقصة القصيرة ضمت 126 نصا لواحد وسبعين قاصا من الإمارات، وتوزعت القصص على حقب زمنية مختلفة فكان منها القديم والحديث وما بينهما، كما تفاوت الكتّاب بين الجيل القديم والمتوسط والجيل الحالي، وتنوعت اتجاهاتهم الفكرية وخياراتهم الفنية، ويسمح كل ذلك بتقديم رؤية تقريبية لواقع واتجاهات القصة القصيرة في الإمارات على مدى يقارب 40 سنة من عمرها حيث بدأت بواكير هذا اللون الأدبي في الظهور منذ عام 1970 وتولى الريادة فيه مجموعة من الكتاب استظلوا بمعطف نيكولاي غوغول وحملوا على أكتافهم مهمة ترسيخ هذا الجنس في نسيج الثقافة الإماراتية بعدما كان محمود تيمور ويحيى حقي ويوسف إدريس قد رسخوه في الثقافة العربية، وجعلوه أسلوبا من أساليب القول الجميل فيها، وسيكون عقد الثمانينات عقد الازدهار الحقيقي لهذا الفن في الإمارات بما توافر فيه من نتاج كبير، وبالاهتمام المتزايد الذي أصبح المتأدبون يولونه له، وهو الاهتمام الذي مازال متواصلا إلى اليوم.

يمكن بنظرة عجلى تصنيف الاتجاهات الفنية في كتاب “مبدعون من الإمارات - القصة القصيرة” إلى أربع اتجاهات:

أولا: الاتجاه الواقعي: هذا الاتجاه يعتمد الوصف والتسلسل الزمني في تقديم الأحداث ويطابق بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي ويمثل لهذا الاتجاه بقصة أسماء الزرعوني “دهشة المطارات” حيث تلتقط الكاتبة حكاية الرجل يهرب بطفليه من بلد أمهما إلى بلده بعد أن فشل زواجهما ولم يأمن بقاءهما بعيدا عنه، وتحكي القاصة وقائع إجراءات سفر الرجل بولديه في المطار بتسلسل واضح، وفي الاتجاه نفسه ترصد أسماء الكتبي في “دود وأمي” قصص الحيوانات وعلاقة المجتمع الشرقي بها، وتلتقط في “سناكر” بتسلسل سردي متدفق يوميات شاب يستخدم جهاز سناكر ليتنصت على أحاديث العاشقين التليفونية، ورغم أنها استخدمت الت

المزيد


الزنزانة

أكتوبر 11th, 2009 كتبها ظبية خميس نشر في , قصة

الزنزانة…….ظبية خميس


 

في الليل.. أكاد أجن.. تماما أطفىء الأضواء.. أتغطى جيدا.. أضع المخدّة على رأسي.. ولكن كل شيء يستيقظ ويحيل ذلك السبات.. إلى كابوس أشعث.

أحتمل الجدران في النهار.. أحتمل الصمت.. أحتمل (( أبو بريص )) وهو يتنزه في الغرفة.. أحتمل اللون البني.. أحتمل تلك القضبان لنافذة زجاجها بني هو الآخر.. وستائرها كذلك. أستطيع أن أستمع إلى العصافير التي لا أراها.. وأتخيل الشمس التي لا أحسها.. وأنسى كل شيء آخر.

في الليل تستيقظ الأسئلة.. وفي النهار تصمت الأجوبة.. وبينهما.. أمضي وأجيء.. أخربش على الحيطان.. وأرسم بقلم الكحل وجوها على الدولاب.. وأغطية السرير.. والمخدات..

أستطيع أن أراهم أمامي.. وهم يستفرغون الأسئلة.. وأجيبهم.. أقول لهم.. ذلك الذي يودون سماعه.. ولا يشبعون.. ولكنني لا أراهم.. ولا أرى نفسي..

كنت أود لو أنهم كانوا يجهزون علي.. أحيانا.. لكي لا أنتظر.. لا أنتظر. كل شيء في الصحو كان كابوسا، هذا الصحو الذي يطول.. ويطول.. بلا نهاية.. أحاول أن أنام.. فلا أنام.. لأيام ..وليالٍ.. أحيانا. وعندما أنام.. أجد أصواتا عالية.. وطرقا عاليا يوقظني.. فلا أفزع منهم.. ولكنني أفزع من الصحو.

في الليل.. وعندما يحدث أن أنام.. كانت الأحلام رائعة.. البحر.. دائما.. متنوع.. ومختلف.. وجوه ألقاها هناك بقرب البحر.. الذي ليس هو نفسه في كل مرة جديدة، يحدث فيها الحلم. كنت أرى أنه هو المستقبل لو أن خلاصا.. ما.. يحدث.

مرت حياتي كلها أمامي.. منذ لحظة الولادة.. وحتى لحظة الجدران الضيقة.. كلها مرت.. الطفولة.. والأهل.. والبيوت.. والعناوين.. والسفر.. والعمل.. كل أفكاري مرت من أمامي.. عارية.. أمام عيون وأيادي وأجساد تغتصبها لحظة فلحظة..

وكانون لايملون من فعل الاغتصاب.. ذلك.

يتبادلون أماكنهم.. ويتقاسمون زمنهم.. بيني وبينهم أمتار. كانوا هم الطاولة.. وكنت أنا الكرسي الخشبي.

أحيانا كان الغثيان يملأ رأسي.. وأنام نومة الغيبوبة.. عندما أصحو أصحو على أسئلتهم.

لمدة طويلة تخيلت أن هناك سمّا في الأكل.. يدسونه لي كي لا أنام.. ولا أصحو.. رفضت الطعام.. وعندما جعت أكلت الخبز.. وشربت الماء.. ودخنت السجائر.. ((سجائرهم)).

الثياب.. نفسها.. البياض نفسه.. اللهجة المتكررة.. الوجوه التي تشبهني.. ولا تشبهني.. أجهزتهم الصغيرة.. ووجوههم ..التي تلتصق فيها رائحة الكلاب.

كنت أرى وجوههم كل يوم.. وأنساها كل يوم… بقت القطعة السوداء على عيني.. حتى عندما قرروا أن يفكوها. وبقى النور الوقح هو الوحيد الذي يصل إلى وجهي منهم.

التعرية أولا.. التهديد ثانيا.. أن يكسروك مثل عود الياسمين.. ويحرقوا حرارة قلبك بين أياديهم… التكرار لأقوالك… أن تقول… وتقول ثم تقول الشيء نفسه مرة ثانية، وثالثة، ورابعة… وهكذا.

ثم ماذا فعلت أنت بالضبط… وما الذي يريدونه هم بعد أن عرّوك كل تلك المرات… أنت لا تعرف غير أنهم ودوا لك أن ترى عورتك معهم… وهم مكسيون بالبياض… وبالجهاز.

في الحمام… يسقط الماء بعنف فوق الرأس… تريد أن تغسل رائحة صوتهم.. بيدك أولا.. بأظافرك ثانيا… ثم بأسنانك…

في الأخير يتبخر

المزيد


تحت سماء أخرى

يوليو 14th, 2009 كتبها ظبية خميس نشر في , قصة

الحياة كما هي<!–Title1
–>
<!–Author
–><!–Introduction
–>

ظبية خميس مبدعة إماراتية متعددة الاهتمامات وواحدة من بين الكثيرين الذين أسهموا في تنشيط وتغيير وجه الحياة الثقافية للدولة، فهي قاصة وشاعرة وناقدة ومترجمة، بالاضافة لممارستها العمل الصحفي. ولدت في إمارة أبوظبي عام 1958، وقد أكملت دراستها الجامعية فحصلت علي بكالوريوس علوم سياسية من جامعة إنديانا بأمريكا عام 1980، ثم أتمت دراساتها العليا في جامعة إكستر بلندن بين عامي 1982­1987، ثم الجامعة الأمريكية في القاهرة بين عامي 1992­ 1994.
بلغ عدد ما أصدرته من كتب 15 مجموعة شعرية، ثلاث مجموعات قصصية، ثلاثة مؤلفات فكرية أدبية، وستة أعمال أدبية مترجمة أي حوالي 26 كتابا،
وقد صدر لها عدد من الدواوين من بينها : خطوة فوق الأرض 1981­ الثنائية: أنا المرأة الأرض كل الضلوع 1982­ صبابات المهرة العمانية 1985­ قصائد حب 1985­ السلطان يرجم امرأة حبلي بالبحر 1988­ انتحار هادئ جدا 1992­ جنة الجنرالات 1993­ موت العائلة 1993.
ومجموعتي قصص : عروق الجير والحنة (قصص) 1985­ خلخال السيدة العرجاء (قصص).فضلا عن عدة كتب نقدية: الشعرية الأوربية ­ ديكتاتورية الروح ­ الشعر الجدي د­ شعراء البارات والمقاهي والسجون.
ننشر هنا فصولا من أحدث أعمالها الروائية والتي تقترب من أن تكون سيرة لحياتها في أمريكا.


الحياة كما هي
سيرة روائية
<!–Author
–><!–Introduction
–>


"إن حياتنا الأدبية، حياتنا ككتاب لا يمكن لها أن تنفصل عن حياتنا ككل .


جوليا كاميرون.

إن بلومنجتون هي مكان يستولي علي الأشخاص ويمكث للأبد في قلوبهم. أسأل طلبة جامعة إنديانا لماذا يعشقون بلومنجتون ولسوف تحصل علي أسباب كثيرة مختلفة _ أجواء المودة، الطبيعة، وسط البلد الحيوي والنابض، المشهد الموسيقي _ هذه مجرد بعض الإجابات. إنها كوزمبولوتينية غير أنها مسترخية، بلومنجتون هي جزء رئيسي وأساسي من تجربة جامعة إنديانا.
عندما تصل إلي هنا سوف تري السبب وراء اعتبار بلومنجتون واحدة من أرقي المدن الجامعية في الدولة، ولماذا لا يزال الكثيرون من خريجيها من الطلبة يفكرون فيها علي أنها موطنهم وبيتهم. إن مجلة المال ضمنت بلومنجتون في قائمتها للأماكن الخمسة نجوم إلي جانب نيويورك، سان فرانسيسكو، سان دييغو، وأوستين، تاكساس. بلومنجتون قد تم ترشيحها حديثا، أيضا، في مجلة يو. س. آي تودي كواحدة من أرقي العشر مدن جامعية في الولايات المتحدة الأمريكية.
من إعلان حول بلومنجتون .

الجزء الأول
Part One

(1)

تحت سماء أخري
Even a warm an inch long has a soul half an inch long".
Buddhist proverb
"حتي دودة طولها بوصة، لديها روح طولها نصف بوصة


مقولة بوذية

هذا هو الربيع. بالتأكيد. الهواء الذي يشبه حالة نشوة خفيفة من بداية السكر. درجة الإضاءة الساطعة دون ما ألم للعينين. تنشق روائح مبهمة تخلط ما بين طمي الأرض، زهور الأوركيد، وأريج الماء . البشرة في تفتحها، والذاكرة كذلك.
حملت بين يديها أغصان الخوخ والمشمش الطويلة، ذات الزهيرات الوردية والحبائب الحمراء، بالإضافة إلي بوكيه كبير من الورد الأحمر البلدي، زهور الليلم، عصفور الجنة، عباد الشمس، الزنبق، الجلاديوس، الكارنيشن، وضمة صغيرة من زهور البنفسج. واجتازت الشارع الذي يفصل ما بين محل أركاديا للزهور ، وسيارتها اليابانية المركونة في ناصية من نواصي شارع 26 يوليو في الزمالك.
وضعت هدايا الربيع تلك علي الكرسي الخلفي، برفق واستقلت سيارتها عبر شوارع الزمالك الملتفة حول نفسها متأملة ذلك المعمار ذا الطراز الخاص، حركة الشارع في أول المساء، واتجهت نحو كوبري الزمالك في اتجاه ميدان سفنكس، شارع جامعة الدول العربية، ثم المهندسين.
في البيت ينفتح الباب علي كوريدور صغير، يستقبلها تمثال سخمت، ثياب الشيفون المطرزة الزرقاء والبنفسجية الخليجية، قطع الحرير الهندي المطرزة بالأحجار الذهبية وخيوط الحرير البريسم وهي تهفهف علي الحاجز الزجاجي الذي يفصل الكوريدور عن ردهة البيت، وصالوناته.
خلعت الفستان الأسود الشانيل، الإيشارب الصغير ذو الورود الحمراء والبيج الملفوف حول عنقها، وأزالت البروش الذهبي بقطته الحمراء عن الفستان وبقية أكسسوارات ووضعتهم علي الكومدينو أمام مرآة الزينة. ثم ارتدت روب الكومينو المشجر والمعرق بألوانه الخضراء والبنفسجية وانتعلت الشبشب الماليزي المصنوع من قماش الباتيك الأخضر، واتجهت نحو المطبخ لترتب أزهارها في الفازات. كانت تحب الفازة الزرقاء الكبيرة بشكل خاص، وكذلك الفازة الشفافة الطولية التي تضعها في غرفة نومها مغيرة أنواع الزهور فيها كل أسبوع بحسب الفصول وحالة الطقس.
انسابت الموسيقي الخلفية علي وقع سي. دي مشبع بصوت بيللي هاليدي ورائحة غناء الجاز القديمة.

***
في البار علي طاولة صغيرة كان يرج الثلج في كأس الويسكي الساك. أمامه زجاجة صغيرة من نوع تشيفاس ريغال، إناء الثلج، والمقبض المعدني. وفي مواجهته كرسي فارغ. درجة الإضاءة خافتة والديكور يوحي بمرحلة الأربعينات من القرن العشرين. بار واسع، أنيق، يتحرك الزمن فيه بمهل، ولوحات ماتيس، كليمنت، ودييغو ريفيرا تمنح بألوانها، نساءها، زهورها، وأشجارها براحا رومانتيكيا خاصا بهذا المكان.
تجرع كأسه ببطء، ثم أشعل سيجار هافانا وأخذ ينفث الهواء أمامه ليتحرك عبق السيجار في المكان صانعا سحابات صغيرة زرقاء.
لن يمكث في نيويورك طويلا هذه المرة، لقد فقد الصخب سحره فيها. لولا الطبعة الأمريكية لروايته الأخيرة لما كان هنا اليوم. إن نيويورك التي يحبها تقبع هناك، في البعيد، السبعينات والثمانينات، ربما. برودوي، أوف أوف برودوي، فيليج، البرونكس أتلانتك آفينيو، ليتل إيتالي، ذي فيفث آفينيو الشوارع المرقمة التي كان يجتازها في مانهاتن مقتفيا آثار هنري ميللر، سوزان سونتاج، ووالت ويتمان.
أما اليوم، فهذه نيويورك أخري. نيويورك لا يعرفها ولا يود أن يقابلها.
هكذا فكر حسن المأمون، وفكر، أيضا، فيها. فكر فيها بعمق وشجن. ارتسمت علي وجهه ابتسامة شاحبة صغيرة، وشاردة. يتوجب عليه أن يرسل إليها بنسخة من روايته بالطبعة الأمريكية. إنها كانت دائما تفضل قراءة الرواية بالإنجليزية. سيرسل إليها الرواية بكافة اللغات التي ترجمت إليها. إنها تستحق ذلك. أليست تلك هي روايتها في آخر الأمر. إن ريتا ميسين التي ابتكرها بطلة للرواية .. هي نفسها مهرة بنت عبيد تلك التي تتنفس الآن، تحت سماء أخري.
***
كان شابا وسيما، ذا بشرة نحاسية ورشاقة حسية. معتدل الطول، له وجه ذو ملامح تمزج ما بين الهندي الأحمر، والعربي القديم. جبهة عالية، أنف مستقيم وحاجبان محددان تجمع بينهما شعيرات خفيفة. له وجنتان مرتفعتان وشفتان مرسومتين بعناية، دقيقتان بحدة خفيفة ولون عسلي غامق. وله شامة واضحة بنية اللون تحت أذنه اليسري، وعينين برموش كثيفة سوداء ولون عسلي غامق. خصل شعره الأشهب تصل إلي ما قبل كتفيه بقليل. البنطلون، القميص، الفيزت، وقبعة البيريه مع الغليون الذي يدخنه تنظر إليه النساء فتلتقي مدارات الجسد، القلب والعقل، معا.
­ لن يستطيع رجل ما، أي رجل آخر، أن يحبك كما أحبك، أبدا .
تذكرت كلماته تلك … تذكرتها بعد عشرين عاما. هل كان محقا ؟
***
أوشين بلو، يذكرها به. في لابواتيه تختار عطورها وتري تلك الزجاجة هناك بين العطور الرجالية. تذهب نحوها وترش قليلا منها علي ظاهر كفها .. لتشمه … تشم البحر، المحيط الأطلسي، وترحل إلي هناك، إلي نيويورك … وعبرها إلي إنديانا، إلي أن تصل إلي بلومنجتون المدينة الصغيرة التي أعادت تشكيل مصيرها .. المدينة التي تقبع في الميدويست الأمريكي. تعود بذاكرتها إلي عام 1975.
***
تدور الكرة الأرضية تحتها. من مطار أبو ظبي إلي مطار بيروت، ثم لندن، ثم نيويورك.
نيويورك تلك التي استقبلتها ليلا تلك الفتاة في الخامسة عشرة من عمرها. ترتدي أوفيرأوول أزرق من الكتان، تي شيرت أبيض، وحذاء ذو كعب عالي مسطح وقلادة ذهبية تتدلي من عنقها آية الكرسي وخارطة ذهبية لفلسطين. بشعرها الطويل، والكثيف الفاحم وملامح وجهها التي تمازج ما بين الرقة الأنثوية، العنفوان، وبوادر التمرد تحركت تلك الفتاة حاملة حقيبة يدها المصنوعة من الخيش الهندي الملون ذو الطابع الهيبي، وكتاب سميك في يدها الأخري بعنوان الأعمال الكاملة لنزار قباني .
سمعت صوتا يناديها :
­ مهرة، مس مهرة ، وعندما التفتت نحو ذلك النداء، رأت أمامها سيدة أمريكية بيضاء، ذات شعر قصير أشقر، ترتدي نظارة تخفي عينين زرقاوتين وتبتسم ابتسامة مرحبة بها. كانت تلك هي آيرين سميث.
في العمارة الشاهقة في مانهاتن، وفي فيفث آفينيو حيث الشرفة الواسعة التي تطل علي غابة كثيفة من العمارات المشابهة وعلي منظر بعيد لحديقة السينترال بارك… كانت الشرفة تمتلئ بجرار الفخار ذات النباتات الصبارية، الزهور، والسرخس.
مكتب السيكيورتي في مدخل العمارة، ومحرقة الزبالة ذات الظرفة المعدنية في كل دور من الأدوار والسجاد الأحمر الذي يكسي أرضية كل ممرات تلك الأدوار والصالونات المتعجرفة في ركن الاستقبال أمام الأسانسيرات .. كل تلك كانت جديدة عليها. غير أنها ها هي هنا بكامل ثقتها وارتياحها لاستكشاف العالم الجديد وخوض حياة عصرية والدخول في صلب العقلية الغربية حيث لم تسبقها أي فتاة من عائلتها إلي ذلك. كل شيء كان مرحبا به، وكأنما هنالك موعد حتمي أدركته وضربته مع القدر .. قدرها ذلك والخطوات الأولي التي لم تعرف بعد أنها خطوات لن يكتب لها العودة إلي موطئ قدمها القديم أبدا من جديد.
كانت آيرين سميث أستاذة علم الأنثروبولوجيا في جامعة نيو يونفيرسيتي، هي صديقة قريبها الذي يعيش في نيويورك، ويعمل سفيرا في الأمم المتحدة ذي غيرل فيريند، والتي ستكون زوجته خلال عام من الآن. آيرين وجاسم أعدا لها وجبة سباجيتي بولونيز تلك الليلة، وضحكت مهرة كثيرا، وهي تتلقي تعليماتها الأمنية. باب الشقة المتوسطة الحجم كان يحمل عشرة أقفال مثبتة عليه : سلاسل، وزلاجات أقفال يتم استخدامها كلها قبل الذهاب إلي النوم. أما المجوهرات، والنقود فيتم حشوها داخل بطن سمك بلاستيكي يودع في فريزر الثلاجة.
سوف تنام في الصالون علي الكرسي الذي يتحول إلي سرير في الليل، وفيما يذهب جاسم إلي الأمم المتحدة وتذهب آيرين إلي الجامعة خلال النهار فإنها سوف تقضي هذه الفترة في مدرسة لتحسين مستوي اللغة الإنجليزية إلي حين التحاقها بالجامعة في أواخر هذا الشهر حيث اختارت أن تدرس في جامعة ولاية إنديانا فرع مدينة بلومنجتون.
***
أول انطباع راودها وهي تتجول في مدينة نيويورك، أنها مدينة أليفة وكأنها تعرفها من قبل. بعد أن ينهي الأستاذ العجوز السمين، ثقيل الظل، مستر غريغوري دروسه اليومية لها، ويحرك يده مداعبا شعرها الأسود الكثيف وهو يودعها بكلمة باي بيبي، سي يو تومورو ، كانت تتجول علي هواها في شوارع مانهاتن. الشوارع المرقمة تقودها بيسر في المدينة إلي العمارة التي تستضيفها في مانهاتن.
مطاعم فاخرة ومتنوعة إيطالية، صينية، يابانية، فرنسية، وميدل إيستيرن. محلات الأكل السريع بيتزا، مكدونالز، آربيز، ويندي، كنتاكي. وعربات الهوت دوغ، الكستناء المشوية، الدونتتز، وباسكين روبينز.
المقاهي، المكتبات والديبارتمينت ستورز ومحلات الأزياء الراقية. غير أن أكثر ما لفت انتباهها فناني الشوارع والشحاذين. موسيقي واسكتشات رسم وأولاد يرقصون علي إيقاعات شبه إفريقية متفننين في تحريك أجسادهم.
­ هالو … ها أوريو دوينغ ؟
تتكرر هذه التحية حيث ما ذهبت مهرة. كان مكانها المفضل ساحة تتحول إلي مربع للتزحلق _ سكيتينغ في الصيف، ثم إلي آيسكيتينغ في الشتاء.
ارتاحت للزنوج من الأولاد والبنات. يذكرونها بأصدقاء الطفولة الذين كانت تلعب معهم. علموها السكيتينغ، ومضت معهم إلي هارليم التي لم تسمع من قبل. لم تشاهد الكثير من الأشخاص البيض هناك ، معظمهم من السود غير أنهم كانوا مألوفين جدا بالنسبة لها. كان بعضهم يسألها :
­ هل أنت تشيكانو ؟
لم تعرف معني الكلمة، وأدركت فيما بعد أن تشيكانو تعني الأسبان الأمريكيين أو ذوي الأصول الأمريكية اللاتينية.
حيثما ذهبت مهرة لا أحد يسألها إن كانت عربية. يفترضون إنها من أمريكا اللاتينية، أسبانية، يونانية، هندية وحينما تجيبهم بأنها عربية لا يعرفون معني ذلك ثم يختصرون المسألة بأنها من الميدل إيست . أما حين تقول بأنها من الخليج العربي فإنهما يجهلون ذلك، ثم يتذكرون خليجا آخر، الخليج الفارسي. وحين تقول مهرة إنها من الإمارات فهذه بالنسبة إليهم كلمة تشير إلي كوكب جديد تم اكتشافه وليس إلي بلد آخر.
يسألونها أسئلة غريبة.
­ هل أتيت إلي أمريكا علي جمل ؟
­ هل تعرفون البيض والدجاج ؟
­ هل ترتدون ثيابا هناك أم أنكم عراة مثل أفريقيا ؟
­ هل شاهدت تليفزيون من قبل، ألديكم ماء مثلج ودايت بيبسي هناك ؟!
بعد زياراتها المتكررة لهارليم، وتحرك استكشافها المطمئن لنيويورك قرر جاسم وآيرين أن يجلسا معها ويناقشا قلقهما عليها. جلسا يكررا أن هذه مدينة خطيرة، وأن الشوارع تعج بالمجرمين واللصوص، وأن عليها أن تتجنب الحديث مع الغرباء وأن لا تذهب إلي تلك الأحياء المخيفة مثل هارليم والبرونكس لأنها قد تتعرض لما لا تحمد عقباه. غير أن مهرة التي لم يسبق لها مقابلة الخوف ، لم تبذل جهدا للإصغاء إليهما، وسخرت في داخلها من مخاوفهما المبالغ فيها. قرر جاسم وآيرين التعامل معها بطريقة أخري سوف يذهبون معها إلي السينما. فرحت بالفكرة. في المرتين المتتاليتين أحضرا لها البوب كورن والشوكولاته والبيبسي كولا وجلست مهرة مستعدة للفيلم. في المرة الأولي كان فيلم جوز : الفك المفترس ، وفي المرة الثانية كان ديث ويش : أمنية الموت . انتابها الرعب من الفيلمين ولم تعد تجرؤ علي الاقتراب من بحر نيويورك، ولا حديقة السينترال بارك . صارت ترمق الآخرين بحذر، ذلك أن هذين الفيلمين كانا أعنف ما قد رأته في حياتها حتي ذلك الوقت. أسماك متوحشة، عصابات، مسدسات، قتل .. يا إلهي المدرسة والبيت أكثر رحمة من ذلك.
في البيت محطات تليفزيونية كثيرة يمكن أن تشاهدها، مئات القنوات الأمريكية. غير أن صدمة أخري كانت في انتظارها وهي تبحث عن محطة الكارتون. لقد شاهدت ولأول مرة في حياتها قنوات بورنو. لم تصدق عينيها : ستربتيز، جنس، عراة، وأسرعت بالعودة إلي البحث عن قناة الكارتون قبل عودة جاسم وآيرين من العمل.
***

2

فمي لم يعد مملوءا بالعسل
I learn by going where I have to go"
Theodore Roethke
"إنني أتعلم عبر الذهاب إلي حيث عليِِِ أن أذهب


الشاعر ثيودور روثكي

One_s destination is never a place but rather a new way of looking at things"
Henry Miller
" إن رحلة المرء ليست أبدا إلي مكان بل بالأحري إلي طريقة جديدة لرؤية الأشياء.
هينري ميللر
من نيويورك إلي إنديانا بوليس عبر طائرة ت. دبليو. أي. ثم طائرة صغيرة مع سبعة ركاب آخرين تحط في مطار صغير في مدينة بلومنجتون. شاهدت مهرة من الجو حقولا شاسعة خضراء، ممتدة . هذا هو الميدويست إذن، وكأن نيويورك تقع في قارة أخري بالمقارنة مع هذا الريف الأمريكي الشاسع. خارج الطائرة علي أرض المطار لفحها هواء مشبع بالرطوبة. أغسطس 1975 وهذه هي أنفاس ما يسمونه بالصيف الهندي، إنديان سمر.
***
في شارع مصدق، صعدت مهرة السلالم إلي الدور الثاني. كوافير الطحان ، حيث أسلمت شعرها المتوسط الطول إلي طارق، وأسلمت أصابع يدها ورجلها إلي سارة لعمل المانيكير والباديكير. سوف يقوم طارق بوضع ماسكرا ملونة لشعرها اليوم. سيستخدم اللونين الأحمر والكستنائي لعمل ريفليكشن لشعرها الأسود الفاحم، أما سارة فقد قررت أن تطلي أظافر مهرة بمانيكير نيوترال، يمكن لها أن تضيف إليه لونا ما عندما تقرر ذلك في المساء.
كانت إحدي ال

المزيد