الزنزانة

أبريل 28th, 2009 كتبها ظبية خميس نشر في , 20056

في الليل.. أكاد أجن.. تماما أطفىء الأضواء.. أتغطى جيدا.. أضع المخدّة على رأسي.. ولكن كل شيء يستيقظ ويحيل ذلك السبات.. إلى كابوس أشعث.

أحتمل الجدران في النهار.. أحتمل الصمت.. أحتمل (( أبو بريص )) وهو يتنزه في الغرفة.. أحتمل اللون البني.. أحتمل تلك القضبان لنافذة زجاجها بني هو الآخر.. وستائرها كذلك. أستطيع أن أستمع إلى العصافير التي لا أراها.. وأتخيل الشمس التي لا أحسها.. وأنسى كل شيء آخر.

في الليل تستيقظ الأسئلة.. وفي النهار تصمت الأجوبة.. وبينهما.. أمضي وأجيء.. أخربش على الحيطان.. وأرسم بقلم الكحل وجوها على الدولاب.. وأغطية السرير.. والمخدات..

أستطيع أن أراهم أمامي.. وهم يستفرغون الأسئلة.. وأجيبهم.. أقول لهم.. ذلك الذي يودون سماعه.. ولا يشبعون.. ولكنني لا أراهم.. ولا أرى نفسي..

كنت أود لو أنهم كانوا يجهزون علي.. أحيانا.. لكي لا أنتظر.. لا أنتظر. كل شيء في الصحو كان كابوسا، هذا الصحو الذي يطول.. ويطول.. بلا نهاية.. أحاول أن أنام.. فلا أنام.. لأيام ..وليالٍ.. أحيانا. وعندما أنام.. أجد أصواتا عالية.. وطرقا عاليا يوقظني.. فلا أفزع منهم.. ولكنني أفزع من الصحو.

في الليل.. وعندما يحدث أن أنام.. كانت الأحلام رائعة.. البحر.. دائما.. متنوع.. ومختلف.. وجوه ألقاها هناك بقرب البحر.. الذي ليس هو نفسه في كل مرة جديدة، يحدث فيها الحلم. كنت أرى أنه هو المستقبل لو أن خلاصا.. ما.. يحدث.

مرت حياتي كلها أمامي.. منذ لحظة الولادة.. وحتى لحظة الجدران الضيقة.. كلها مرت.. الطفولة.. والأهل.. والبيوت.. والعناوين.. والسفر.. والعمل.. كل أفكاري مرت من أمامي.. عارية.. أمام عيون وأيادي وأجساد تغتصبها لحظة فلحظة..

وكانون لايملون من فعل الاغتصاب.. ذلك.

يتبادلون أماكنهم.. ويتقاسمون زمنهم.. بيني وبينهم أمتار. كانوا هم الطاولة.. وكنت أنا الكرسي الخشبي.

أحيانا كان الغثيان يملأ رأسي.. وأنام نومة الغيبوبة.. عندما أصحو أصحو على أسئلتهم.

لمدة طويلة تخيلت أن هناك سمّا في الأكل.. يدسونه لي كي لا أنام.. ولا أصحو.. رفضت الطعام.. وعندما جعت أكلت الخبز.. وشربت الماء.. ودخنت السجائر.. ((سجائرهم)).

الثياب.. نفسها.. البياض نفسه.. اللهجة المتكررة.. الوجوه التي تشبهني.. ولا تشبهني.. أجهزتهم الصغيرة.. ووجوههم ..التي تلتصق فيها رائحة الكلاب.

كنت أرى وجوههم كل يوم.. وأنساها كل يوم… بقت القطعة السوداء على عيني.. حتى عندما قرروا أن يفكوها. وبقى النور الوقح هو الوحيد الذي يصل إلى وجهي منهم.

التعرية أولا.. التهديد ثانيا.. أن يكسروك مثل عود الياسمين.. ويحرقوا حرارة قلبك بين أياديهم… التكرار لأقوالك… أن تقول… وتقول ثم تقول الشيء نفسه مرة ثانية، وثالثة، ورابعة… وهكذا.

ثم ماذا فعلت أنت بالضبط… وما الذي يريدونه هم بعد أن عرّوك كل تلك المرات… أنت لا تعرف غير أنهم ودوا لك أن ترى عورتك معهم… وهم مكسيون بالبياض… وبالجهاز.

في الحمام… يسقط الماء بعنف فوق الرأس… تريد أن تغسل رائحة صوتهم.. بيدك أول

المزيد